طالَبَ الدعاةِ أن يربطوا المسلمين وفِتيانهم بمنهاج الوسطيّة النبوية
الدويش: الأضحية درس في الحب الصادق لله
قال الشيخ الدكتور إبراهيم الدويش الأمين العام لمركز رؤية للدراسات الاجتماعية والداعية الإسلامي المعروف أن كثيراً من الناس يغفل عن استشعار عظمة وحكمة ذبح الأضحية والهدي، يقول ابن القيم رحمه الله "..مقصود الشارع من إراقة دم الهدي والأضحية التقرب إلى الله سبحانه بأجلِّ ما يقدر عليه من ذلك النوع وأعلاه، وأغلاه ثمنًا، وأنفسه عند أهله، فإنه لن يناله سبحانه لحومها ولا دماؤها، وإنما يناله تقوى العبد منه، ومحبته له، وإيثاره بالتقرب إليه بأحب شيء إلى العبد، وآثره عنده، وأنفسه لديه، كما يتقرب المحب إلى محبوبه بأنفس ما يقدر عليه وأفضله عنده.."
وأضاف الدويش في خطبة العيد بالرس: إن في قصة الأضحية تقرب إبراهيم الخليل عليه السلام لمحبوبه بأنفس شيء لديه فلذة كبده وابنه الوحيد! هل رأيتم أباً يهم بذبح ابنه بالسكين، استجابة لأمر رب العالمين، إنه الحب الصادق لله، فلنتدبر في هذا السر العظيم ، إننا بأمس الحاجة لهذا الحب الذي يدفع للبذل والتضحية من أجل الله ودين الله، فحب الله ليس مجرد إدعاء، {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}، والقلب بيت الرب فمتى زاحمه غيره، فالله يغار.. لقد امتلأت قلوب الكثير بكل أنواع الحب الدنيوي، حتى لا يكاد يبق فيها مكان للحب الحقيقي؛ حب الله الذي هو سر الخلق وسر الوجود، بل وسر السعادة وحلاوة الإيمان، وسر الراحة والطمأنينة، بل هو سر العلاج للحب الفاسد الذي ابتلي به كثير من الخلق، كالهوس في حب المال، والحصول عليه بأي حال، وكعشق وإعجاب وتعلق وفتنة الصور والإباحيات ونحو هذا، فاسمعوها وعوها، ورددوها: ليس لعلاج الحب الفاسد إلا الحب الصالح: حب الله بصدق، فعوّدوا أنفسكم على الحب الحقيقي لله، قلب يخفق بحب الله ويدق، لتكون النتيجة: طاعة وصبر وتضحية وبذل لله ومن أجل الله حتى تصير التضحية خلقا دائماً لكم، فاجعلوا قصة هذا النبي الجليل نصب أعينكم، وتدبروا دائمًا بقلوب خاشعة ما قصّه الله منها في القرآن العظيم عليكم، آيات باهرة، أقرأوها بفكركم، واسمعوها بعقولكم.
وقال الدويش: إن من التضحية ما يبذله الكثير من المستضعفين من بلاد المسلمين من صبر ودفع وجهاد لرد المعتدين، وخاصة في فلسطين الحبيبة وأرضها السليبة، وقدسها الشريفة، فاليهود يحاصرونهم ويعزلونهم عن العالم، اقتحموا وأحرقوا، وجوعوا وقتلوا، عدوانٌ غاشم، وظلم عليهم جاثم، إحراق الأراضي والقلوب، صار فيها الأخضر يبساً، والأمل يأساً، يقتلون ويعذبون على الطريقة الفرعونية {سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـى نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ}[الأعراف:127]،كل هذا أمام مرأى ومسمع من العالم كله، والكل عنهم غافلون، وفي مصالحهم غارقون، والأعداء يتحايلون ويتفننون في حرب الإسلام بكل وسيلة، ثم لو تأملتم إخوة الإيمان في الصراعات الجارية في جهات العالم الإسلامي لوجدتم أنها صراعات بين الإخوة وأبناء البلد الواحد لمطامع وأهواء، فلم تعد الأخبار ولا وسائل الإعلام تحمل إلا أنباء الصراع بين المسلمين أنفسهم أهل البلد الواحد، يحرقون ديارهم وأولادهم من أجل مطامع وأهواء، ولو فهم هؤلاء درس الأضحية والتضحية لما تطاحنوا عبثاً، وشوهوا الحقائق غبشاً، نفوسٌ مسعورة، وأقلام مأجورة، دعايات مظلله، ترفع الباطل وتفرق الكلمة وتمزق الشمل، دول مستضعفة منهكة، كل ذلك بتخاذل أهلها وانشغالهم ببعضهم بخلافاتهم وأهوائهم،نسوا أن الدين والوطن يحتاج لتضحية أهلها بأموالهم وأنفسهم وعلمهم، واجتماعهم وتسامحهم وتعاونهم، {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}(الشورى:30)،إي وربي بما كسبت وعملت أيدينا، فكل بلاء يقع، وكل مصيبة تصيب، وكل جرحٍ ينزف؛ كلها مطارق وموقظات، الأصل أن توقظنا من غفلتنا، وتوجهنا نحو الصحيح من مسارنا، فهلا رجعنا وانتبهنا؟! هلا تناصحنا واتعظنا، هلا جنبنا أهواءنا ومصالحنا الشخصية وقدّمنا التضحية من أجل ديننا ووطنا ومن أجل الصالح العام، هنا سننجح، بالإيثار يبقى الأثر، وبتقديم الصالح العام نسير للإمام، فليكن الهوى من أجل الدين والوطن، ومن أجل الصالح العام، فشتان بين من كانت همته لشهوته، ومن كانت لأمته،وأضاف الدويش:إنّ القتل والإفساد والتخريب سببه قضيّة التكفيرِ الخطيرة الناجمة عن انحرافٍ وغلوّ، وقد نُهينا عن الغلوّ في الدين لأنّه سبب هلاكِ الأوّلين:{يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقّ} [المائدة:77].إن امتطاءَ صَهوةِ التكفير يبعثُ عليها جهلٌ مركَّب في فهم مسائلَ من الدين، كالولاء والبراءِ والجهاد والحدودِ والدماء، وقد بلغت حدًّا يوجِب التصدّي له من قِبَل أهل العِلم بالحجّة والبيان، والدليل والبرهان، حراسةً لشبابِ الأمّة الغضّ من الهُويّ في عينِها الحَمِئة والتمرُّغِ في أوحَالها النّتِنة، يقولe: ((مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ)) وقالe: ((أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا)) عياذًا بالله، رواه مسلم. إنَّ على وسائل الإعلام المرئيّة والمسمُوعة والمقروءَة، وعلماءِ الشريعَة الموقِّعين عن ربّ العالمين المؤتمَنين على ميراث النبوّة والمربين والدعاةِ، أن يربطوا المسلمين وفِتيانهم بمنهاج الوسطيّة النبوية التي دلّت عليها نصوصُ الكتابِ والسنّة بفهمِ سلَف الأمّة، لتحصين الشباب من تيّارات التطرُّف والغلوّ، ومن لوثاتِ العولمة والتغريب، فالحاجةَ ملِحَّةٌ لأخذ الشباب بأمثل الأساليب التي تُلامس أفئدتهم وتوافق فِطرَتهم لنثوبَ بهم إلى رحابِ الجيل الإسلامي المأمول بإذن الله، فأمن بلاد الحرمين الشريفين قضيةٌ لا تقبَل المساومات ولا تخضع للمزايدات، ولا تهزّها الزوبعات والمهاترات، وقد بسط الله فيها أمنَه وأمانَه إلى أن يرثَ الله الأرضَ ومن عليها وهو خير الوارثين، وما يجري على حدودنا الجنوبية الغربية هو بمثابة امتحان وابتلاء، نسأل الله أن يجعل كيد الشانئين والأعداء في نحورهم، وأن يجعل تدبيرهم تدميراً عليهم، فهذه البلاد لا مكانَ فيها للعُنف والتخريبِ، والإفساد والتأليب، وإن رغِمَت أنوف الحاقدين.