د.إبراهيم الدويش: يوم عرفة من مفاخر الإسلام
قالَ الشيخ الدكتور إبراهيم الدويش الأمين العام لمركز رؤية للدراسات الاجتماعية: إن يوم عرفة يوم مشهود، فقد أقسم به العظيم بقوله:"وشاهد ومشهود"، وهو من مفاخر الإسلام لأن المسلمين لا يمكن أن يحتشدوا في مكان كهذا المكان لا يعرف بعضهم بعضاً إلا فيه . يوم بكاء وخشوع ، ويوم دعاء وخضوع ، ويوم خوف من الله، ويوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها والعتق من النار؛ ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي $ قال: ((مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ ؟)).
وأضاف الدويش متوجهاً إلى كل حاج: لأجل هذه المزايا العظيمة ينبغي لك - أيها الحاج - الحرص على هذا اليوم والاهتمام به فأكثر من كل الأعمال الصالحة، واحرص كل الحرص على الخلوة بالنفس وقلة الاختلاط بالآخرين، وإياك وكثرة القيل والقال؛ فإن من أسباب قسوة القلب فضول الكلام ، وفضول الخلطة، وفضول النظر، فـكما قال $ ((إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ غُفِرَ لَهُ)) كما في المسند لأحمد. وليَحْمِلْكُمْ على الجد في هذه اللحظات المسابقة على الخيرات، وحسرات الفوات ، خاصة في مثل هذه الساعات، فربما كان الرجلان في مكان واحد ومناسبة واحدة ، وبينهما كما بين السماء والأرض! فهذا جد في المسارعة في الخيرات ، وتنوع العبادات، وذاك في كسل وفتور وقيل وقال، حتى وإن كان من أهل عرفة .
وقال الدويش: أيها الحجاج، أكثروا من الدعاء والإلحاح وإظهار الضعف والافتقار إلى الله عز وجل والإخلاص لله في مثل هذا اليوم، فإن الله وعد بالإجابة ، قال أحد الصالحين: والله ما دعوت في يوم عرفة دعوة فدار علي العام إلا وقد جاءت مثل فلق الصبح . لقد وعدنا الله بالإجابة فقال: (ادعوني أستجب لكم). ولِيَطْمَئنّ قلبك أيها المحب ، ويمتلئ يقيناً بالله سبحانه وتعالى إليك هذه التوجيهات وأنت قد رفعت يديك ، وبسطت كفيك تدعو الله .
أولاً: اعلم أن الدعاء عبادة، فلو لم يحصل لك من دعائك إلا الأجر على هذا الدعاء لكفى به بعد إخلاصك لله سبحانه وتعالى.
ثانياً: أن تعلم أن الله تعالى أعلم بالخير لنفسك منك، فيعلم سبحانه أن الخير لك بتأجيل الإجابة أو عدمها ، فربما تلح على الله بمسألة من المسائل، أو تطلب من الله طلباً، وقد لا يستجاب لك، فلا تستعجلْ ولا تجزعْ أيها المحب فالله تعالى أعلم بالخير لك، حيث لو تحقق ما تريد كان شرا لك .
ثالثاً: لا تجزع من عدم الإجابة ، فربما أن الله دفع عنك بهذا الدعاء شراً كان سينزل بك ، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله $ قال: ((مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ:إِذًا نُكْثِرُ ، قَالَ: "اللَّهُ أَكْثَرُ)).والحديث عند الترمذي وقال:حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ،وأخرجه الحاكم وزاد " أو يدخر له من الأجر مثلها.
رابعاً: ربما كان عدم الإجابة أو تأخيرها امتحاناً لك وامتحانا لتحملك وصبرك وجلدك، هل تستمر بالدعاء أم أنك تنقطع ؟ هل تستمر في هذه العبادة أم أنك تستحسر وتمل الدعاء وتتركه ؟ وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله $ قال: ((يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي)) والحديث متفق عليه. وفي جزء من رواية مسلم أَنَّهُ $ قَالَ : ((لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: ((يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ)).
خامساً وأخيراً: أن تلقي باللوم على نفسك فقد يكون سبب عدم الإجابة هو وقوعك أنت في بعض المعاصي أو التقصير ، فربما أن ذنباً من الذنوب أو معصية من المعاصي جعلت ذلك الدعاء يرد ولا ينظر إليه، أو ربما إخلالك بالدعاء أو ربما تعديك فيه أو غيرها من الأمور، فلذلك من أعظم الأمور أن تتهم نفسك وأن تنسب التقصير إليها، فعدم الإجابة من الله عز وجل قد يرجع للإنسان نفسه ولتقصيره وضعفه أو لذنبه أو لمعصية من معاصيه، فاتهم النفس ؛ فاتهام النفس من أعظم العبادات لله عز وجل ، وطهر قلبك وأخلص نيتك ، وحج خاشعاً متذللاً، ولا تيأس من رحمة الله، فبابه مفتوح، وادع الله بقلب حاضر خاشع ، فإن الله لا ينظر إلى قلب غافل لاهٍ.