الدويش: التماسك الأسري يحمي أطفالنا من السلوك الشاذ
أكدَ الشيخ الدكتور إبراهيم الدويش الأمين العام لمركز رؤية للدراسات الاجتماعية أن التماسك الأسري يحمي الأطفال من السلوك الشاذ، وقال: إن الأسرة هي اللبنة الأولى للمجتمع الذي يريد الإسلام صلاحه، ويطبَّقُ فيه المنهج الذي أراده الله للإنسان، إضافة إلى أن الأسرة هي الوضع الفطري الذي ارتضاه الله لحياة الإنسان، كما قال تعالى: ]وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً( [الرعد:38]؛ فالإنسان مفتقر إلى الأسرة المتماسكة في مراحل عمره جميعًا، فالطفل لا بد له من النشأة في أسرة، وإلا نما مبتور العواطف شاذ السلوك. وكذلك يحتاج الإنسان إلى الأسرة شابًّا ورجلاً وكهلاً؛ فهو لا يجد أنسه وسعادته في غيرها، بل لا ترضى فطرته بديلاً عنها، فيظَلُّ مفتقرًا أبدًا إلى حماها، متعطشًا إلى عواطفها ومشاعرها؛ فالمشاعر والعواطف التي تنمو في جو الأسرة نعمة ورحمة تقي التعاسة والشقاء، ويجعلها فضلاً من الله كالطيبات من الماء والغذاء، تدبروا قول الحق: ]وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ( [النحل:72].
وقال الدويش: إنها عناية إلهية، وآية كونية عجيبة، يوم أودع في فطرة ركني الأسرة (الزوج والزوجة) الميل إلى الآخر؛ لكي يقوم عليهما بناء الأسرة، ويوجد التناسل بينهما، وتتحقق الخلافة والعمارة التي أخبر الله عنها، ومنشأ العجب: أنه ينشأ بالزواج ارتباط وثيق بين الرجل والمرأة لا يدانيه أي ارتباط، وقد صور الله -سبحانه- هذا الارتباط الوثيق بتصوير دقيق، وتشبيه بليغ للغاية؛ حيث شبه ارتباطهما وحاجة بعضهما ببعض باللباس الذي لا يمكن العيش بدونه؛ فقال - عز من قائل-: ] هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ( [البقرة:187]. ما أعظم هذا التشبيه! وما أبعد معانيه! وما أرقى مراميه! فاللباس ستر ومتعة وجمال، وضرورة وأنس وألفة، وحسن اختيار وتفصيل، ونظافة وطهارة ونقاء، وتعاهد ووقاية... كل هذه المعاني وغيرها يشير إليها هذا التعبير القرآني الفذ، وهذا تأكيد لأهمية الأسرة للإنسان نفسياً وتربوياً واجتماعيا، فأس ترابط الأسرة: زوجان متكاملان متفاهمان، يكمل بعضهما بعضًا، لا فردان متماثلان بإمكان أي واحد منهما أن ينفرد ويستغني عن الآخر؛ كما تحاول أن تكرسه بعض الأفكار والأقلام اليوم، فالنساء خلقن للرجال كما خلق الرجال للنساء؛ كما قالت أمامةُ بنت الحارث التغلبيَّة موصية ابنتها: "أي بنيَّةَ! لو استغنَتْ امرأةٌ عن زوجٍ بفضلِ مالِ أبيها لكُنتِ أغنى النَّاسِ عن ذلك، ولكنَّا للرِّجالِ خُلِقنَا كما خُلِقُوا لنا". ولا شك أن قوة الترابط بين ركني الأسرة (الأب والأم) يسهم بقدر كبير على تشكيل صياغة كيان أولادهما، كما قالr: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ..)). متفق عليه . وحفاظًا على هذا الترابط، وضبطًا لهذا الميل الفطري بين الجنسين وضع الإسلام نظامًا محكمًا، واهتمامًا عظيمًا، فنظام الأسرة في الإسلام يقوم على أمتن الروابط، وعلى أقوم الدعائم، في أسمى ما يتطلع إليه البشر، متى ما التزم الناس به وساروا على هديه استقرت أمورهم، وعاشوا في أمن وأمان، وسعدوا في الدنيا والآخرة، لكن الواقع والشواهد والأرقام تؤكد - وللأسف- بدايات خطيرة للتفكك والانهيار الأسري في كثير من المجتمعات الإسلامية، فالإنسان بدل أن يسخر الحضارة الحديثة والانفتاح واتساع التقنية لسعادته، ربما ساهم بقلة وعيه وجشعه بأن تكون هذه النعمة نقمة عليه، وسببًا في شقائه وكدحه ونكده، حتى أصبحت كثير من البيوتات أشبه بفنادق للإيواء في أوقات الراحة فقط!! ولا غرابة في ظل هذا الركض المحموم أن يضعف مفهوم الأسرة الجميل لدى الكثير، إضافة إلى أن الأسرة المسلمة تواجهها في هذه المرحلة الحرجة، هجمات شرسة، باعتبارها الحصن الأخير للفضيلة، وتربية الأجيال، ولأنها ركيزة البناء الاجتماعي الإسلامي السليم، فهاهي الأنظمة البشرية، والقوانين الدولية الوضعية، تتخبط -وللأسف- في سنِّ قوانين همجية، تتصادم مع الفطر السليمة، والعقول النظيفة، وتحت مسمَّى تنظيم الأسرة، والتنمية والمساواة والسلام، وهي تفكيك للأسرة، وتحطيم لكيانها ولأسسها الشرعية، فلا أحد يستطيع أن ينكر دعوة المؤتمرات الأسرية العالمية (نيويورك لعام ألفين للميلاد2000م) صراحة لإلغاء مفهوم الأسرة القائم على ارتباط الرجل والمرأة بميثاق شرعي إلى اعتباره متحققًا من خلال أي ارتباط بين أي رجل وامرأة، ولو بلا ميثاق ولا عقد شرعي، بل لا مانع أن تكون العلاقة شاذة؛ أيْ بين رجل ورجل، وبين امرأة وامرأة! بحجة الحرية الجنسية! والمطالبة بالحقوق الفردية! وتشريع حقوق دولية للشواذ من الجنسين! ومن هنا يتأكد على العقلاء والنبلاء إلى المسارعة بتأسيس وتشجيع المؤسسات والجمعيات التي تخدم الأسرة وأفرادها، وتُعنى بتوعيتها وحل مشاكلها في زمن انشغل الأبوين بالوظيفة والعمل، والمناسبات واللقاءات عن البيت والأسرة والأولاد بشكل واضح ومخيف، يهدد كيان الأسرة ووظيفتها النبيلة، ولا بد أيضاً من تثقيف وتوعية الأبوين بخطورة الأمر، وواجبهما ودورهما في الحفاظ على هذا الكيان الجميل، وما أعظم دين الإسلام وأطهره! فمن يتتبع نصوص القرآن والسنة يجد أن الشارع الحكيم رسم الطريق المستقيم لتكوين الأسرة بمفهومها الفطري البريء، فبين بكل دقة طريقة اختيار الزوجة، وكيفية إنشاء عقد الزواج، وطريقة المعاشرة الزوجية، وأرشد كلا من الزوجين -لكونهما ركني الأسرة- إلى ما له من حقوق قِبَلَ الآخر، وما عليه من واجبات، وحتى لا يكون هذا الحديث مجرد تنظير وكلام، فقد جعل الله لنا حياة نبينا قدوة عملية، وأمرنا بالتأسي بها، ولذلك أمرَ الله -عزَّ وجلَّ- نساءَ النبيِّ أن يخبرنَ بكلِّ ما يدورُ في بيتِه r، حتى ولو كانَت هذه الأخبارُ أسرارًا زوجيَّةً، فقال الله -عزَّ وجلَّ- مخاطبًا نساءَ النبي r: )وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا( [الأحزاب:34]، فذكر المفسرون أن المقصود بالحكمة هنا: السنة، من أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم.
وأضاف الدويش: تعالوا لنقف على تطبيقات عملية لكيفية بناء الأسرة وترابطها من حياة المصطفى r في أسرته، فهو r المرشد الأول، وهو القدوة في حياة المسلمين، وبناؤه e لأسرته وتعامله مع أزواجه، وتوجيهه وإرشاده للمؤمنين رجالاً ونساءً من أصحابه هو النموذج الحي والمثل الأعلى لكل مسلم ومسلمة، فالحياةُ الزَّوجيَّةُ في بيتِه r أنموذجٌ رائعٌ نذكِّرُ به بين الحين والحين كل زوجين وأبوين، كما نذكر به المصلحين والمرشدين، في الاتِّباعِ والتأسِّي في كيفية المعالجة والإرشاد؛ )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا( [الأحزاب:21]. وبدراسة حياة النبيr داخل بيته، ومعاشرته لزوجاته رضي الله عنهن، وإرشاده للمؤمنين يتضح أن الأكدار والمواقف الساخنة في الحياة الأسرية لا يخلو منها بيت، وليست الأسرة السعيدة هي التي تخلو من مشاكل، كما ترسم وسائل الإعلام عبر المسلسلات والأفلام تلك الأحلام الوردية والمخملية البعيدة عن الواقع، والتي وللأسف يتشربها البعض فيظل يجري خلف سراب التمثيل لا الواقع، فلا تخلو أسرة من مشاكل، لكن الأسرة السعيدة هي التي تعرف طريقة احتواء مشاكلها وحلها بحكمة وصبر وروية، وكم هي الأحاديث التي تحكي لنا حكمة وحنكة النبيe في الإرشاد والتوجيه، والتعامل مع المشاكل الأسرية، حتى كانe شديد العناية بالمشاعر وفهم النفسيات، قبل التوجيه والإرشاد؛ كما في حديث عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ e: ((إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى)) قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ)) قَالَتْ: أَجَلْ –وَاللَّهِ- يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ))(). فيبين الحديث دقة عناية الرسول r بمشاعر عائشة وانطباعاتها حتى صار يعلم رضاها وغضبها من أسلوب كلامها، وإذا تم فهم النفسية جيدًا كان الوعي الرفيع في التعامل مع المشاكل، فأُم سَلَمَةَ رضي الله عنها أَتَتْ بِطَعَامٍ فِي صَحْفَةٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءَتْ عَائِشَةُ مُتَّزِرَةً بِكِسَاءٍ، وَمَعَهَا فِهْرٌ ، فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَةَ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ r بَيْنَ فِلْقَتَيْ الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ: كُلُوا غَارَتْ أُمُّكُمْ، مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ r صَحْفَةَ عَائِشَةَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَعْطَى صَحْفَةَ أُمِّ سَلَمَةَ عَائِشَةَ))(. فانظروا لحسنِ خُلُقِهe وإنصافِه وحلمِه، وتأملوا في حسنِ تصرُّفِه وعلاجه لهذا الموقفِ بطريقةٍ مُقنِعةٍ، معلِّلاً لهذا الخطأِ من عائشةَ -رضي الله عنها- بقولِه: ((غارَت أمُّكم، غارَت أمُّكم)). فهو يقدِّرُ نفسيَّةَ عائشةَ ولذا لم يذمّهاe، لأنَّ أمَّ سلمةَ هي التي جاءَت إلى بيتِ عائشةَ تقدِّمُ للنبيِّ e وأصحابِه هذا الطَّعامَ، ولذلك قدَّر النبيُّ e هذا الموقفَ، وتعاملَ معه بلطفٍ وحكمةٍ صلواتُ الله وسلامُه عليه. وقدَّرَ ما يجري عادةً بين الضَّرائرِ من الغيرةِ؛ لمعرفته e أنَّها مركَّبَةٌ في نفسِ المرأةِ، وقد تكون الغيرة سببًا رئيسًا في تفكك الأسرة، وقد ينفخ الشيطان في روع أحد الزوجين في هذا الجانب، حتى لا يبقى للعيش الهنيء قدر، بل نكد وشكوك وسوء ظن . قال شراح الحديث: "فِيه إِشَارَة إِلَى عَدَم مُؤَاخَذَة الْغَيْرَاء بِمَا يَصْدُر مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَة يَكُون عَقْلهَا مَحْجُوبًا بِشِدَّةِ الْغَضَب الَّذِي أَثَارَتْهُ الْغَيْرَة". وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ لَا بَأْس بِهِ عَنْ عَائِشَة مَرْفُوعًا " أَنَّ الْغَيْرَاء لَا تُبْصِر أَسْفَل الْوَادِي مِنْ أَعْلَاهُ " قَالَهُ فِي قِصَّة . وهكذا أثر فهم طبيعة المرأة وخلقتها التي فطرها الله عليها، وفهم النفسيات من الطرفين خطوة مهمة وركيزة في حل المشاكل ..