قالَ إنها أثرت سلبياً حتى في أوساط النخبة
الدويش ينتقدُ ضجة أنفلونزا الخنازير
أعربَ الشيخ الدكتور إبراهيم الدويش الأمين العام لمركز رؤية للدراسات الاجتماعية والداعية الإسلامي المعروف عن استيائه مما أثير حول مرض أنفلونزا الخنازير من ضجيج وشائعات وأقاويل، وقال الدويش إنها شائعات وأقاويل منها الصحيح المخلوط بكثير من معلومات خاطئة وحكايات غثة، والتي انتشرت بين الناس وحتى في أوساط النخبة منهم وللأسف مما كان له أثر سلبي على البرامج والاهتمامات، وعلى كثير من مرافق الحياة، وأحدث إرباكاً في ترتيب قائمة الأمراض وصرف الاهتمام حسب خطورتها، فرغم خطورة المرض ووجوده، إلا أن أسلوب التصدي والوقاية منه اتجه لمنحى خطير من التهويل والتضخيم، مما أصاب الناس بالهلع والجزع حتى ظن البعض أنه أفتك الأمراض، وأشدها خطورة على الإطلاق، وليس الأمر كما ظنوا، ولست هنا أُقلل من خطورة هذا المرض، أو سرعة عدواه، أو ترك الحيطة وفعل الأسباب من سبل وقاية أو علاج، بل أتمثل هنا بقول الشاعر: "لا تحقرَنَّ عدوًّا في مخاصمةٍ إنَّ البعوضَ يُدمِي مُقلةَ الأسدِ".
وأضاف الدويش: واجب علينا أن ندعو الجميع باتخاذ كافة الوسائل الوقائية والإجراءات الاحترازية التي تحدُّ من انتشار هذا المرض وغيره من الأمراض، بل ونؤكد على المعنيين من المسؤولين بدراسة الوضع والمرض بجدية ومسئولية، والمبادرة باتخاذ التدابير اللازمة والإجراءات الوقائية بأسرع وقت ممكن، فإن هذا كله من باب فعل الأسباب المأمور به شرعاً، لكننا أيضاً مطالبون شرعاً وعرفاً بالتعقل والحكمة في التعامل مع مثل هذه الأزمات دون إثارة أو تهويل وتفزيع للآخرين، فإن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان ديننا الحنيف، لا يقوم الدين بل لا تقوم الحياة إلا به.
وقال الدويش: إن مرض أنفلونزا الخنازير وغيره من الأمراض داخل في عموم الابتلاء والاختبار الذي يجري على العباد في هذه الحياة الدنيا، أيصبرون ويرجعون إلى الله؟ أم ينسون الله ويلجئون إلى غيره يطلبون الشفاء ممن لا يملك الشفاء. ثم إن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أخبرنا خبر يقين أنه ما نزل داء إلا بذنب ولا رُفِع إلا بتوبة، وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا..))،فلنأخذ بالأسباب ثم نتوكل على الله كما قال صلى الله عليه وسلم: ((اعقلها وتوكل))،ولا نخشى من الإصابة بهذا المرض خاصة بعد الأخذ بكافة الإرشادات وسبل الوقاية والعلاج، فالمسلم يأخذ بالأسباب والعلاج المباح التزامًا بتعاليم دينه، فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ t قَالَ: قَالَتْ الْأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: ((نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً)).وقال r:((لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ)) وقال:((وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الْأَسَدِ))، ففي هذه الأحاديث إثبات الأسباب وأنها تفضي بمسبباتها، إلا أن هذا الأمر ليس على إطلاقه، لأنه من القواعد المقررة في عقيدة كل مسلم أن شيئًا في الدنيا لا يحدث دون إرادة الله وقضائه وقدره، ولذا ورد في الحديث الصحيح قولهr:((لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ)) فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا ، فَقَالَr:((فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ)). إذًا الْمُرَاد بِنَفْيِ الْعَدْوَى أَنَّ شَيْئًا لَا يُعْدِي بِطَبْعِهِ نَفْيًا لِمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَعْتَقِدهُ أَنَّ الْأَمْرَاض تُعْدِي بِطَبْعِهَا مِنْ غَيْر إِضَافَة إِلَى اللَّه، فَأَبْطَلَ النَّبِيّ r اِعْتِقَادهمْ ذَلِكَ، وَأَكَلَ مَعَ الْمَجْذُوم لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي يُمْرِض وَيَشْفِي، وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّنُوّ مِن المجذوم لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي أَجْرَى اللَّه الْعَادَة بِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى مُسَبَّبَاتهَا، فَفِي نَهْيه إِثْبَات الْأَسْبَاب، وَفِي فِعْله إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا لَا تَسْتَقِلّ، بَلْ اللَّه هُوَ الَّذِي إِنْ شَاءَ سَلَبَهَا قُوَاهَا فَلَا تُؤَثِّر شَيْئًا، وَإِنْ شَاءَ أَبْقَاهَا فَأَثَّرَتْ". وهذا يؤكد حتماً أهمية الأوراد الشرعية والأذكار وأثرها الفاعل في الشفاء والوقاية كما ثبت ذلك نصاً في كثير من الأحاديث الصحيحة، فلم إذاً يغفل الكثير من الناس عن هذه الأوراد رغم أهميتها وفاعليتها الحسية والمعنوية والتي يشهد لها القاصي والداني، لكنها تحتاج لعلم بمقتضاها ويقين بأثرها وصدق توكل على الشافي الذي هو رب العالمين، وهذه المعاني لا تمنع الحيطة والحذر حيث أمرنا رسول اللهr كما في صحيح البخاري: ((إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطاعون في أَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ)) فهذه دعوة من رسول الأمة للحجر الصحي، فإن أُصبنا بشيء من البلاء والأمراض بعد ذلك فلا نجزع ولا نفزع بل نلجأ إلى الله، ونطلب من الله العون والشفاء، وإن تسبب المرض بموت أحد فله ما وعد الله به على لسان رسوله، كما تقول عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري: سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِr عَنْ الطَّاعُونِ فَقَالَ: ((كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ وَيَمْكُثُ فِيهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ)). وأخيراً فلا ننسى شعارنا في هذه الحياة، شعار المسلمين الذي علمنا إياه رب العالمين،(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ).