طالبَ بنقل العقول من التقليدية إلى الإبداع والابتكار
الدويش يناقش بناء شخصية الشباب في الأجازات
تساءل الشيخ الدكتور إبراهيم الدويش الأمين العالم لمركز رؤية للدراسات الاجتماعية هل ندرك حجم مشكلة الفراغ هذه الأيام؟!،ونحرص كل الحرص على بناء شخصية الأبناء ،بل هل يدرك الشاب نفسه خطورة الأيام القادمة، أيام الأجازات وأهمية استثمارها، وبذل وسعه في بناء شخصيته وتكاملها. وقال الدويش: هذه الأيام فرصة ثمينة، فرصة لمزيد من البناء التربوي والعلمي غير المدرسي والذي يحبه الشاب ويتشوق إليه، يقول ابن الجوزي ناصحاً ابنه:"فينبغي لذي الهمّة أن يترقّى إلى الفضائل، فيتشاغل بحفظ القرآن وتفسيره، وبحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وبمعرفة سيره وسير أصحابه والعلماء من بعدهم، ولا بدّ من معرفة ما يقيم به لسانَه من النحو، ومعرفة طرف مستعمل في اللغة،والفقه أصل العلوم، والتذكير حلواؤها وأعمّها نفعاً".
وأضاف الدويش أن من تأمل في إقبال الشباب والفتيات خلال هذا الأسبوع على الدورات القرآنية والعلمية وتنافسهم عليها،علم الخيرية والهمة لدى شبابنا متى فتحت لهم السبل، وتهيأت لهم المحاضن العلمية والتربوية، وقد أثبتت الإجازات الماضية قدراتهم، وكشفت عن جديتهم وعلو هممهم، ويبقى السؤال الأهم في مثل هذه المشاريع العملاقة الرائعة: هل يكفي الحفظ فقط؟ أم أننا نحتاج لغرس فهم وفقه النصوص وتطبيقها،وهذه خطوة ثانية لا تُضعف روعة الخطوة الأولى، بل تٌكملها وتُحليها، فنهيب بالقائمين على مثل هذه المحاضن، نقل عقول الشباب من التلقين إلى التفكير، ومن التقليدية إلى الإبداع والتجديد، وهذا يقودنا للحرص على ثانياً في مرحلة بناء الشخصية المتميزة،وهو: البناء الفكري أو العقدي: يقول ابن قدامة:"فإذا بلغ الصبيّ فأول واجب عليه تعلّم كلمَتَي الشهادة وفهم معناهما، وينبغي أن يتعلّم الإيمانَ بالبعث والجنة والنار...الخ". فالبناء الفكري يكون أولاً: بتعليم الأبناء المسائل الإيمانية والمباحث العقدية الميسرة ليفهم أصول إيمانه، ويكون راسخ المبدأ قوي الحجة، ولن يكون هذا إلا باستخدام الأدلة العقلية والحقائق العلمية في دعم المباحث الفكرية والعقدية، فهما للعمل والتطبيق وليس مجرد الحفظ والترديد.لأننا نريد تأسيس الخطوة الثالثة من خطوات البناء الفكري السليم لدى شبابنا، والمتمثلة: في تكوين عاطفة قوية مبنية على العلم النافع والقناعة، وليس مجرد الحماس وحب الدين فقط، فهذه هي العاطفة الصادقة التي تدفعه إلى التعقل وسلامة التفكير ومعرفة المفاسد والمصالح. واسمعوا للمربي العلامة ابن سعدي يقول:"وينبغي للوالد أن يشاور أولاده في الأمور المتعلقة بهم،ويستخرج آراءهم، ويعوّدهم على تربية أفكارهم وتنمية عقولهم"الخ. فالبناء الفكري معاشر المربين يكون بتعويد ذهن الأبناء والشباب على الاستنباط واستخراج المسائل، وبتربيتهم على استدامة التفكير والنظر المعتبر في مخلوقات الله عز وجل، وفي الوقائع والأحداث. ومن ثَم: إبعاد أذهانهم عن التفكير في الأمور الفاسدة من شهوات وشبهات ببيانها ومناقشتها معهم بكل وضوح وصدق وجرأة. ولن يكون هذا إلا بترويض أذهانهم على تدبر وتفهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.. خاصة تلك التي يحفظونها ويرددونها، فهل يتنبه لهذا مشرفي الدورات ويولونها الأولوية، بدل كثرة المحفوظات التي سرعان ما تزول إن لم يُصاحبها فهم وتدبر.فإن تم هذا كانت المرحلة الثالثة من بناء الشخصية المتميزة، وهي: البناء الأخلاقي، يقول ابن القيم:"ومما يحتاج إليه الولد غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خُلُقه؛ فإنه ينشأ على ما عوّده المربي في صغره"الخ. وذلك بتعريف الشباب بأهمية الأخلاق وأنها عبادة عظيمة وغرس ذلك في قلوبهم، ثم بالوقوف بهم على معالم الأخلاق وحدودها وضوابطها،من خلال القراءة وإدمان النظر في سير الأنبياء والنبلاء.ثم ثالثاً:تنشئتهم عملياً على القيم الأخلاقية باستخدام كافة الوسائل والأساليب التربوية العملية،من توليتهم المسئوليات والقيادة وتطبيقهم لمكارم الأخلاق من صبر وعزيمة ومجاهدة نفس وتقوية إرادة، ووفاء وعفو وإيثار ونحو ذلك.ومن أهم ما يُعين على هذه التربية التطبيقية، المرحلة الرابعة من مراحل بناء الشخصية المتميزة،وهو: البناء الإيماني والتعبّدي ،أي:العلاقة بينه وبين الله، وهل هي قائمة على المحبة والتعظيم، والذي يقود لتنمية روح المحبة للعبادات بعد التعريف بها وبفضلها وأثرها، فليست العبادات مجرد تطبيق فقط دون روح، أو فهم للمعاني والمقاصد.فتنشئة الشباب منذ المراحل الأولى على مثل هذه المعاني الإيمانية لها أثر كبير في شخصياتهم حاضراً ومستقبلاً، ولذا فمهم جداً تدريبهم عليها عبر الدورات الصيفية تدريباً عملياً بالأساليب التربوية الجميلة، والإقناعية الحكيمة.
وأما المرحلة الخامسة من مراحل بناء الشخصية المتميزة:البناء الاجتماعي: ويكون البناء الاجتماعي: بتنمية وغرس روح المحبة والأخوة لدى الشباب، وتعريفهم بمقاصد الشريعة الإسلامية،وتذكيرهم دائماً أنها شريعة بناء لا هدم.وأن عليهم حقوقاً اجتماعية تجاه الآخرين، وأن من المهم:الحفاظ على كيان المجتمع،وتماسكه وتواده.ثم تدريب كل شاب أن يكون شخصية اجتماعية محبوبة مبتسمة مراعية لضوابط الخلطة الاجتماعية. أما المرحلة السادسة من مراحل بناء الشخصية المتميزة:البناء الصّحي،وذلك بتدريب وتعليم الشباب والأبناء الالتزام بقواعد الصحة العامة، وتعويدهم على ممارسة الرياضة البدنية، و تبصيرهم بأهمية معرفة الغذاء الصحي وما ينفع وما يضر، وخطورة أكل كل شيء وفي أي وقت دون تنظيم.
وأما المرحلة السابعة من مراحل بناء الشخصية المتميزة: البناء العملي المهني: ويتمثل البناء المهني، ،أولاً: بتبصير الشباب والأبناء بفضل العمل وأهميته لهم، وغرس ذلك في نفوسهم. ثم ثانياً:بتدريبهم وتعليمهم أخلاقيات العمل وآدابه وشروطه. وثالثاً: بتدريبهم وتعليمهم الفنون الاقتصادية حسب رغباتهم وقدراتهم.ثم رابعاً: تذكيرهم بأن العمل والكسب والتجارة وسيلة لا غاية، وأن القصد غناء النفس لا غناء المال وجمعه وعبادته"تعس عبد الدرهم،تعس عبد الدينار ، تعس وانتكس ،وإذا شيك فلا انتقش..".
وقال الدويش: هكذا إن أردنا أن نستثمر صيف أولادنا وشبابنا، إنه البناء للنفس تدريباً وتعليماً، وبوسائل تطبيقية وترفيهية لا تُمل، سبع مراحل كخطة استراتيجية لبناء الشخصية الشبابية المتميزة، من خلال برامج ومناشط ودورات الصيف، بناء علمي وفكري وأخلاقي وإيماني واجتماعي وصحي ومهني. فكم هم الشباب الذين يُدركون هذا وأهميته؟ بل كم هم الآباء والأمهات الذين يفقهون هذا؟ وهل يعلم المربون هذا فضلاً عن تطبيقه وتوجيه الشباب إليه؟ بل أنت أيها الشاب:هل سعيت لتحقيق هذا البناء الرائع المتكامل؟هل أنت جاد حقاً في بناء نفسك؟ وتكامل شخصيتك؟ إن حياة الإنسان أنفاس تتردد وتتعدد، وآمال تضيع إن لم تحدد، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك،بل الوقت هو الحياة، فالوقت أغلى من الذهب ومن كل جوهر نفيس، خسارة أن يعيش شباب في عمر الزهور عيشة الّلامبالي بوقته، خسارة أن يألف شباب الأمة وهم أصحاء أقوياء النوم حتى الظهر، فهذا لا يليق بأمة خلقت لقيادة البشرية! ووُجدت لتكون شاهدة على الناس يوم يقوم الناس لربهم؟ أمة شرفت بحمل أعظم رسالة! وحملت أثقل أمانة! وأنيط بها أضخم مسؤولية، وأكبر تكليف!؟ ألستم يا شباب أبناء قوم كانوا على أوقاتهم أشد حرصا منهم على الدنيار والدرهم، هذا ابن مسعود يقول: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت فيه شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي). وهذا الإمام أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم يُباحث وهو في النزع بعض عُوَّاده في مسألة فقهية، رجاء النفع بها لمستفيد أو متعلم، ولا يخلي اللحظة الأخيرة من لحظات حياته من كسبها في مذاكرة علم وإفادة واستفادة. لقد كان أسلافنا الأوائل يُسابقون الساعات، ويبادرون اللحظات، ضناً منهم بالوقت، وحرصاً على أن لا يذهب منهم هدراً. ولقد أورث ذلك نتائج أشبه بالمعجزات، وإذا بالإنجازات قريبة من الخيال: علم وعبادة وجهاد، وتصنيف وتأليف وابتكار، هكذا كانت أحوالهم يوم عرفوا قيمة الزمن،وهكذا كانت إنجازاتهم يوم اتسعت مداركهم ونضجت عقولهم، فإذا كان هذا تاريخ أسلافنا، فلم لا نقتدي بهم ونستفيد من طريقتهم في تربية ذواتنا وشبابنا،وإعداد أنفسنا حتى تكون قادرة على العطاء بلا حدود.