قال الشيخ الدكتور إبراهيم الدويش الأمين العام لمركز رؤية للدراسات الاجتماعية في محاضرة ( إنه الله ) بملتقى الشيماء بالرياض: إن الناسُ يتساءلون عن المخرجِ في زمنِ الشهواتِ والفتنِ والمغرياتِ؟ كيف نحافظُ على إيمانِنَا في زمنِ الغربةِ والفضائياتِ؟ في زمنِ العولمةِ والانفتاحِ والتقنياتِ؟ كيف نربِّي أبناءَنَا وبناتِنَا في مثلِ هذه الأوقاتِ؟ لماذا انصرفتِ القلوبُ عن علاَّمِ الغيوبِ؟ لماذا تكالبَ الناسُ على الدنيا حتى ربما ظنَّ البعضُ أنهُ لا يموتُ؟ يشكُو الناسُ من قسوةِ القلوبِ، وكثرةِ الذنوبِ؟ يشكُو الناسُ من الفراغِ الإيمانيِّ, والفراغِ العاطفيِّ, والفراغِ الزمنيِّ. وأقولُ: الطريقُ أن يتعرَّفَ الناسُ علَى اللهِ حقَّ المعرفةِ أنْ تُمْلأَ القلوبُ بمحبتِهِ . مَنْ لم يعرفِ اللهَ حقَّ المعرفةِ, فهو جاهلٌ ومسكينٌ, ومعدِمٌ وفقيرٌ, وأعظمُ طريقٍ لمعرفةِ اللهِ هو معرفةُ كتابِ اللهِ جلَّ وعلا, مَنْ عرفَ اللهَ مِنْ كلامِهِ وآياتِهِ, فإنهُ يعرفُ ربًّا قد اجتمعتْ له صفاتُ الكمالِ ونعوتُ الجلالِ, منزَّهٌ عن المثالِ, بريءٌ مِنَ النقائصِ والعيوبِ, له كلُّ اسمٍ حسنٍ، وكلُّ وصفِ كمالٍ, فعالٌ لما يريدُ, أكبرُ مِنْ كلِّ شيءٍ, وأجملُ مِنْ كلِّ شيءٍ, أرحمُ الراحمينَ،وأقدرُ القادرينَ، وأحكمُ الحاكمينَ. فالقرآنُ أُنْزِلَ لتعريفِ عبادِهِ بهِ وبصراطِهِ الموصلِ إليهِ, وبحالِ السالكينَ بعدَ الوصولِ إليهِ: فآياتُ اللهِ القرآنيةُ تنطقُ بالتعريفِ باللهِ, كما أن آياتِ اللهِ الكونيةَ تنطقُ بعظمةِ اللهِ، فالتفكرُ والتدبرُ طريقٌ لمعرفةِ اللهِ, ومعرفةُ اللهِ طريقٌ لمحبةِ اللهِ، ومحبةُ اللهِ طريقُ السعادةِ والراحةِ .
وأضاف الدويش: أين الباحثونَ عن السعادةِ؟ أين القلوبُ التي تعلقتْ بغيرِ اللهِ ؟ أين هي عن اللهِ ؟ فاللهُ محسنٌ يحبُّ المحسنينَ, شكورٌ يحبُّ الشاكرينَ, جميلٌ يحبُّ الجمالَ, طيبٌ يحبُّ كلَّ طيبٍ, كريمٌ يحبُّ الكرمَ, توابٌ يحبُّ التائبينَ, حَيِيٌّ يحبُّ أهلَ الحياءِ, يستحيِيْ من عبدِهِ إذا مدَّ يديْهِ إليهِ أن يردَّهُمَا صفرًا, عفُوٌّ يحبُّ العفوَ عنْ عبادِهِ, غفورٌ يغفرُ لهم إذا اسْتغفرُوهُ. تكثرُ الذنوبُ، وتعظمُ العيوبُ، وتقسُو القلوبُ، ويخشَى الإنسانُ من الخسرانِ, ويخافُ الحرمانَ, فيناديهِ الرحيمُ الرحمنُ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }.[الزمر:53]. يناديْ عبدَهُ نداءَ المتلطفِ إليهِ, ويدعُوهُ دعاءَ المشفقِ عليهِ : (يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً)). رواهُ الترمذيُّ وقالَ:حسنٌ غريبٌ. وصححهُ الألبانيُّ.
وتساءل الدويش قائلاً: أين مَنْ يعظِّمُ اللهُ؟. فاللهُ عظيمٌ, العظمةُ صفةٌ مِنْ صفاتِهِ, وآيةٌ مِنْ آياتِهِ, وتعظيمُ اللهِ يعنيْ: تعظيمَ حرماتِهِ، {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} ومَنْ كانَ باللهِ أعرفَ كانَ للهِ أخوفَ .