د.الدويش: طفل بلا أسرة.. طفل مبتور العواطف شاذ السلوك
أكدَ الشيخ الدكتور إبراهيم الدويش الأمين العام لمركز رؤية للدراسات الاجتماعية والداعية الإسلامي المعروف أن الإنسان يحتاجُ إلى الأسرة المتماسكة في مراحل عمره جميعًا، فالطفل لا بد له من النشأة في أسرة، وإلا نما مبتور العواطف شاذ السلوك. وكذلك يحتاج الإنسان إلى الأسرة شابًّا ورجلاً وكهلاً؛ فهو لا يجد أنسه وسعادته في غيرها، بل لا ترضى فطرته بديلاً عنها، فيظَلُّ مفتقرًا أبدًا إلى حماها، متعطشًا إلى عواطفها ومشاعرها.
وقالَ الدويش: إن المشاعر والعواطف التي تنمو في جو الأسرة نعمة ورحمة تقي التعاسة والشقاء، ويجعلها فضلاً من الله كالطيبات من الماء والغذاء، تدبر قول الحق: ]وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ([النحل:72]. سبحان الله! إنها عناية إلهية، وآية كونية عجيبة، يوم أودع في فطرة ركني الأسرة (الزوج والزوجة) الميل إلى الآخر؛ لكي يقوم عليهما بناء الأسرة، ويوجد التناسل بينهما، وتتحقق الخلافة والعمارة التي أخبر الله عنها، ومنشأ العجب: أنه ينشأ بالزواج ارتباط وثيق بين الرجل والمرأة لا يدانيه أي ارتباط، وقد صور الله هذا الارتباط الوثيق بتصوير دقيق، وتشبيه بليغ للغاية؛ حيث شبه ارتباطهما وحاجة بعضهما لبعض باللباس الذي لا يمكن العيش بدونه؛ فقال تعالى: ]هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ( [البقرة:187]. ما أعظم هذا التشبيه! وما أبعد معانيه! وما أرقى مراميه! فاللباس ستر ومتعة وجمال، وضرورة وأنس وألفة، وحسن اختيار وتفصيل، ونظافة وطهارة ونقاء، وتعاهد ووقاية... كل هذه المعاني وغيرها يشير إليها هذا التعبير القرآني الفذ. وفذلكة القول، وأس ترابط الأسرة: أنه ليس أحد أستر لأحد من اللباسين المتآلفين، فهما زوجان متكاملان، يكمل بعضهما بعضًا، لا فردان متماثلان بإمكان أي واحد منهما أن ينفرد ويستغني عن الآخر؛ فالنساء خلقن للرجال كما خلق الرجال للنساء؛ كما قالت أمامةُ بنت الحارث التغلبيَّة موصية ابنتها: "أي بنيَّة! لو استغنَتْ امرأةٌ عن زوجٍ بفضلِ مالِ أبيها لكُنتِ أغنى النَّاسِ عن ذلك، ولكنَّا للرِّجالِ خُلِقنَا كما خُلِقُوا لنا". ولا شك أن قوة الترابط بين ركني الأسرة (الأب والأم) يسهم بقدر كبير على تشكيل صياغة كيان أولادهما، كما قالr: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ..)). متفق عليه. وحفاظًا على هذا الترابط، وضبطًا لهذا الميل الفطري بين الجنسين وضع الإسلام نظامًا محكمًا، واهتمامًا عظيمًا، فنظام الأسرة في الإسلام يقوم على أمتن الروابط، وعلى أقوم الدعائم، في أسمى ما يتطلع إليه البشر، متى ما التزم الناس به وساروا على هديه استقرت أمورهم، وعاشوا في أمن وأمان، وسعدوا في الدنيا والآخرة. لكن الواقع والشواهد والأرقام تؤكد- وللأسف- بدايات خطيرة للتفكك والانهيار الأسري في كثير من المجتمعات الإسلامية، فالإنسان بدل أن يسخر الحضارة الحديثة والانفتاح واتساع التقنية لسعادته، ربما ساهم بقلة وعيه وجشعه بأن تكون هذه النعمة نقمة عليه، وسببًا في شقائه وكدحه ونكده، حتى أصبحت كثير من البيوتات أشبه بفنادق للإيواء في أوقات الراحة فقط!! ولا غرابة في ظل هذا الركض المحموم أن يضعف مفهوم الأسرة الجميل لدى الكثير.
وأضافَ الدويش: رغم تزاحم الأعمال والبرامج في حياتي إلا أني كنت دائمًا أحرص على أن أُكثر من الجلوس مع زوجتي وأولادي، وبالأخص وقت وجبتي الغداء والعشاء، وأفعل ذلك ليس لقناعتي بأهمية الارتباط الأسري فقط، ولا من أجل أثره الرائع الذي ألمسه على أفراد الأسرة جميعًا، بل من أجل نفسي أيضًا، فأنا أشعر بعد كل جلسة أسرية بسعادة غامرة تبعث حيوية ونشاطًا عجيبًا في نفسي طوال اليوم، ودائمًا أتساءل: كيف يمكن أن أُعبر للناس عن الأثر الذي يبقيه في نفسي اجتماع أسرتنا الصغيرة، وتجاذب أطراف الحديث بين أفرادها، ومشاكسات الصغار، وقفشاتهم، وضحكاتهم، بل وصرخاتهم، ولا غرابة فالأسرة هي اللبنة الأولى للمجتمع الذي يريد الإسلام صلاحه، ويطبَّقُ فيه المنهج الذي أراده الله للإنسان، إضافة إلى أن الأسرة هي الوضع الفطري الذي ارتضاه الله لحياة الإنسان، كما قال تعالى: ]وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً(.