الدويش: القلوب لاتُملك بالمال والقوة بل بالإحسان والرفق
قال الشيخ الدكتور إبراهيم الدويش الأمين العام لمركز رؤية للدراسات الاجتماعية والداعية الإسلامي المعروف إن تبادل الأنس والألفة، وإشاعة أجواء الودّ بين الناس والمحبة هدفٌ نبيل، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف النبيل والخلق الأصيل إلا بالتعامل مع الناس بالأخلاق الفاضلة، والأدب الرفيع، وتبادل الحب والاحترام، والمعاملة بالرفق والرحمة والتقدير والإحسان، والسماع لآرائهم، وإلانة الكلام معهم، وتحمل أذاهم، وإظهار البشاشة في وجوههم، وهذه أمور ليست ثانوية أو هامشية في الإسلام، بل هي من صلب ديننا، ومن صميم عقيدتنا، فقد أمر ربُّنَا نبيه وخليله محمدًا صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق العظيم– وهو أمر لنا كذلك- فقال سبحانه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} ، وكان صلى الله عليه وسلم هو النموذج الأمثل والمثال الأكمل في الامتثال بهذه الأمور ومراعاتها، فكان صلى الله عليه وسلم يحرص كل الحرص على مراعاة مشاعر صحابته ومن يجالسونه، حتى إنَّ من ينظر في سيرته صلى الله عليه وسلم ليعجبُ أشدَّ العَجَب من دِقَّة مراعاتِهِ للمشاعِرِ والعواطِف، وعظيم حرصِهِ على نَشرِ المحبَّةِ والمودَّة، اسمعوه صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ((إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْصَرِفْ)). أتعلمون لماذا أمر بأن يأخذ بأنفه؟، ويا ترى ما علاقةُ الأنفِ بما صنع؟ إنها عظمةُ هذا الدِّين، ودقَّة عنايته بالمشاعرِ، وحفاظه على الأحاسيس، أمره بأن يأخذ بأنفِه ليوهِمَ من بجوارهِ أنَّ به رعافاً فلا يُفتضحُ أمرُهُ فيُحرَج ويخجَل! قال الإمام الخطابيُّ: "إنَّما أمرَهُ أن يأخذُ بأنفه ليوهِمَ القومَ أنَّ به رُعافاً، وفي هذا البابِ من الأخذِ بالأدبِ في سَترِ العورةِ وإخفاءِ القبيحِ والتوريةِ بما هو أحسنُ منه، وليس يدخل في بابِ الرِّياءِ والكَذِبِ، وإنما هو من بابِ التجمُّلِ واستعمَالِ الحياءِ، وطلبِ السَّلامةِ من الناس" ، فما أعظمه صلى الله عليه وسلم وأعظم رحمته وخلقه، وما أعظم هذا الدين الذي جاء به؟! فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يقطع الحديث حتى يكون المتكلم هو الذي يقطعه، وكان صلى الله عليه وسلم يُقبل بوجهه وحديثه على أشر القوم يتألفهم بذلك، ولا يُثبتُ بصره على أَحَدٍ، ولا يجفو على أَحَد، بل يَقبَلُ معذرةَ المعتذرين إليه، وكان صلى الله عليه وسلم يبدأُ من لقيه بالسَّلام، وكان إذا لقيَ أحدًا من أصحابِه بدأه بالمصافحةِ، ثمَّ أَخَذ بيدِهِ فشابكه ثم شَدَّ قبضته عليها. وكان يجلسُ حيثَ انتهى به المجلس، وكان يُكرِمُ من يدخل عليه، حتى إنه ربَّما بَسَط ثوبَه ليجلسَ عليه. وكان يؤثرُ الدَّاخلَ عليه بالوسادةِ التي تحتَه، فإن أبى أن يقبلَها عَزَم عليه حتى يفعل. وكان صلى الله عليه وسلم يُعطي كلَّ من جَلَس إليه نصيبَه من وجهه وسمعه وبصرِه وحديثِه، وكان يدعو أصحابَه بكُناهُم إكرامًا لهم، واستمالةً لقلوبهم. وكان أبعدَ النَّاس غضبًا، وأسرعَهم رضًا، وأرأفَ الناس بالنَّاس، وخيرَ النَّاس للنَّاس، فعن أنسٍ رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: ((يَا أُمَّ فُلَانٍ! انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ؛ فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا)) رواه مسلم. ولذلك أثنى اللهُ عليه فقال:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. وقال سبحانه:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}. ومن جاهد نفسه على مثل هذه الأخلاق الطيبة أحبه الناس، وملك قلوبهم.
وأضافَ الدويش: َهيا نحِب الناس حتى يحبوننا، هيا نُجِلَّهم حتى يجلُّوننا، هيا نحترمهم حتى يحترموننا، فإن من طبيعة الناس أنهم لا يحبون من يبغضهم، وينال منهم، أو يقلل من شأنهم، أو لا يعرف أقدارهم، أو يكثر الثرثرة ومقاطعة الكلام لهم، أو من يتعالى على أصحابه، فالناس لا يأنسون بحديث هؤلاء ولا بمصاحبتهم.
وقال الدويش: أنَّكَ متى أسأتَ عِشرَةَ الناسِ صاروا لكَ أعداءً، ولو كانوا أمهاتٍ وآباءً، ومتى أحسنتَ عِشرَةَ الناسِ أياً كانوا صاروا لكَ أقرباءَ. واسمعوا لهذا الخلق العجيب من هذا التابعي الجليل عطاء رحمه الله يقول: "إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأني لم أسمعه وقد سمعته قبل أن يولد" ما أجمل وأروع هذه المراعاة لمشاعر المتحدث، فالنفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، وحب من عاملها بالأخلاق الحسنة، بل إنها تتأثر به كثيرًا، وتُقبل عليه، فمكارم الأخلاق تُستعطفُ بها القلوبُ، وتُملك بها المهج والنفوس؛ فالقلوب لا تُملك بالمال ولا بالقوة، ولا بالجاه والسلطان، وإنما تُملك بالإحسان والرفق وجمال الأخلاق والتعامل الراقي، وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:(( إِنَّكُم لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَموالِكُم، وَلكن يَسَعُهُم مِنكُم بَسطُ الوَجهِ وحُسنُ الْخُلُقِ)).