الناسمتفاوتون في إصدار الحكم طبقًا لما يحملون من أفكار وآراء، ومن منهج وتصوراتوقناعات..، وفي تصوري أن الذين يطرحون ضرورة تجديد الخطاب الديني فئتان : ناصحون مارسوا هذا الخطاب طويلاً، ووجدوا من خلال الخبرة والممارسة أن الخطابالموجود بحاجة إلى تجديد وتعديل وتحديث في بعض جوانبه، لأنهم يرون أن التغييرللأفضل مطلوب دائمًا، ويجب أن يتطور الخطاب، ويكون على مستوى تطورات العصر الهائلةفي عالم التقنية ونشر المعلومات..، وأن تسخر كل وسيلة مشروعة مستحدثة لخدمة هذاالدين. ففي الحديث (( إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِكُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا )). رواه أبو داود وغيرهبإسناد صحيح من حديث أبي هريرة. ومعنى التجديد هنا ليس الابتداع في الدين، بل إحياءما اندثر منه، فالدين نصوص سماوية ثابتة، وكل بدعة فيه مرفوضة، فإذا كان الدين نفسهبحاجة في كل مئة سنة إلى من يجدده كما يوضح الحديث، فكيف بالخطاب الدعوي الذي هوعبارة عن وسيلة لإيصال هذا الدين والدعوة إليه، فينبغي أن تتطور هذه الوسيلة نظرًالمقتضيات العصر ومستجداته، فإذا كان لكل عصر لغته الخاصة فلماذا لا يكون لكل عصرخطابه الخاص، ولكن كل هذا في ظل الضوابط الشرعية، والقواعد المرعيَّة المعلومة، كأنيكون نابعًا من الحاجة، ويتم من قبل العالمين بمعاني النصوص ومقاصد الشريعة وفقهالأولويات والمصالح والمفاسد، فهم القائمون على وظيفة الدعوة، دون الرضوخ لضغوطخارجية أو داخلية، ودون أن يملي عليهم أحد شيئًا من هذا؛ مع التأكيد على أهميةالإفادة من أي انتقادات إيجابية أو ملحوظات نافعة من أي وعاء كانت . وأيضاً هميرون- الفئة الأولى- أن هناك دخلاء على الخطاب الدين وإن كانوا من الصالحين دافعهمالغيرة والحماس، لكن بضاعتهم العلمية الشرعية مزجاة ضحلة، غير متخصصين ولا ضالعينفي العلم الشرعي، ولا عارفين بمقاصده وأولوياته وفن لغة الخطاب الخاصة فيهوتوقيتها، وهؤلاء قد يُفسدون أكثر مما يُصلحون، والكلام عنهم يطول ليس هذا موضعه. وما يطرحه هذه الفئة في تجديد الخطاب الديني أرى أنه ضرورة من ضرورات العصر، فلونظرنا لتاريخنا الإسلامي في هذا المجال لوجدنا أن الجمود جنى كثيرًا على الإسلاموالمسلمين، فمثلاً بعد عصر الأئمة والعلماء المجتهدين، جاء عصر يسمى بعصر الانحطاطفي الفقه والاجتهاد، حيث أصاب الكثير من العلماء الجمود، وادعوا أن باب الاجتهاد قدأغلق تمامًا، وأن كل ما عليهم القيام بشرح وإيضاح ما تركه العلماء من تراث علميوفقهي، أو اختصار هذا التراث في خلاصات ومتون يكاد يشبه بعضها الألغاز، ورفعواشعار: ليس بالإمكان أحسن مما كان، وأن الأول لم يترك شيئًا للآخر، والحق أن الذيفتح باب الاجتهاد هو الذي وحده يملك إغلاقه، فليس لأحد أن يغلقه كائنًا ما كان،وبكل صراحة ما زلنا نعاني إلى يومنا هذا من تأثيرات هذا الجمود وتداعياته، رغم بصيصالأمل الذي بدأنا نشهده الآن من نهضة علمية مباركة تؤمن بالاجتهاد وتدعو إليه، وإنكان هذا الأمر يحتاج إلى خطوات عملية وجرأة أكبر، وجهود أكثر أهمها: تأسيس مراكزللبحوث الفقهية والمسائل المستجدة والنوازل، ودعمها بالعقول الناضجة والطاقاتالواعية والمادة وبلا حدود. وأما الفئة الأخرى ممن يطالبون بتجديد الخطاب الدينيفهم لا يتفقون مع الفئة الأولى في معنى التجديد، فهم ينطلقون من منطلقات غير شرعية،ولهم مطالب طويلة وعريضة تبدأ بالتجديد حسب فهمهم له، ولا تنتهي عنده، بل تمتدلأصول وأحكام ومسائل كثيرة مما عُلم من الدين بالضرورة، وهذا مرفوض كل الرفض،فمعناه التنازل والمداهنة، وتعويم معاني النصوص ولي أعناق مقاصدها الشرعية لتوافقالآراء والأهواء التي لن تتفق بحال، ولن تقف عند حد.