الإيمان بلسم الحياة
الإكسير الأعظم: مادة مركبة، كان الأقدمون يزعمون أنها تحول المعدن الرخيص إلى الذهب (المعجم الوسيط،1/22)، والكل يتفقون أن الموقف السلبي من المصائب والمحن والأزمات يجعل المصيبة مصائب، والمحنة محنا، والأزمة أزمات، ولا يفعل هذا عاقل، فضلا عن المؤمن الذي يملي عليه إيمانه ويحتم عليه يقينه: 1 ــ أن يصارع التحديات معتصما بالله، ويقارع الأزمات متوكلا عليه، ويجاهدها ثقة بوعده ونصره. 2 ــ وأن يبذل كل جهد وطاقة في سبيل التغلب عليها، والتخفيف من ثقل وطأتها. 3 ــ وأن يستثمر الوجه المشرق منها، ويحاول الإفادة منها قدر الإمكان على حد قولهم: «اجن الثمار وألق الخشبة في النار». فالأصل في المؤمن الإيجابية والاعتدال في كل شؤونه، والاتزان في كل أموره، حيث يعطي الأزمة حجمها الطبعي. ويضعها في إطارها الصحيح، دون تضخيم وتهويل، أو تقليص من شأنها وتقليل. ويوظفها التوظيف الحسن، بحيث يقطف ثمارها وإن لدغ ببعض أشواكها. ويستثمرها الاستثمار المفيد في تربية النفس ومحاسبتها، وجعلها على مستوى التحديات. ويبحث بها عن الطاقات المذخورة التي لا تكشفها إلا الأزمات، ولا تثيرها إلا التحديات. ويستخرج منها ما يفيده من الدروس والعبر، كما قال الشاعر:
إذا المرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة
مقتديا في ذلك كله بحبيبه وقدوته، فقد كان التفاؤل في الشدائد والأزمات منهجه وديدنه وهجيراه، مهما بلغت ضراوة وقسوة وشدة، فمن قرأ سيرته، وتأمل في أحواله ومواقفه أدرك مصداق ما ذكرناه؛ ألم يقل لملك الجبال في أهل الطائف: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» إنه بعد نظر وسعة أفق، لا يقدر عليها إلا صفوة الصفوة، من تولى الله تربيته وتأديبه، وطبعه على خلق عظيم، رجل عظيم، شفيق رحيم، يحمل بين جنباته روحا طيبة طاهرة، زكية مباركة، لا تعرف أبدا التشفي والحقد وحب الانتقام، متجردة كل التجرد عن أدنى حظوظها، متشبعة بكل ما لكلمة الأمل والتفاؤل والتحمل والصبر.. من معنى، ومتقبلة كل المصائب والمكاره والمشاق في سبيل تبليغ رسالته وأداء مهمته! أرأيت -أيها القارئ- إلى صاحب الرسالة كيف يبحث عن وجه الأزمة المشرق؟ ويستدعيه من وراء حجب الأزمنة؟ وأن فداحة الخطب وشدة الأزمة لا تشغله عن إظهار هذا الوجه المشرق حتى لو كان بعيد المنال؟! صلى الله عليك أيها البحر الحنان، والرحمة المهداة، والنعمة المسداة!. إن الدرس العملي من هذا الموقف: بعد نظره، ونظرته للوجه المشرق لتلك الوجوه الظالمة الطاغية الكالحة؛ «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا»، ولاحظ- أيها القارئ الكريم- أن هذا المطلب بعيد المدى، إلا أنه ممكن التحقيق، عظيم النفع لمستقبل الإسلام، فكان له ما أراد؛ فمن ينظر لمكة والطائف بعده صلى الله عليه وسلم إلى اليوم يعلم أي ثمرة كانت وراء هذا الصبر والتخطيط وكظم الغيظ والعفو؟
رابط المقال المنشور في جريدة عكاظ بتاريخ 18/6/1430هـ
الرابط هنا