قناة اسلام سكاي على اليوتيو rss الاخبار  rss المقالات  البوم الصور فيس بوك
فضل العشر الأواخر من رمضان .. فضل العشر الأواخر من رمضان ..
عشرٌ وأيُ عشرٌ  .. عشرٌ وأيُ عشرٌ ..
رمضان..وموعظة العشر .. رمضان..وموعظة العشر ..
أيام العشر .. أيام العشر ..
الفائزون في رمضان .. الفائزون في رمضان ..
  محاربة الغلو والوجه الآخر
  عقوق الأبناء أم الآباء؟!
  ماذا يريد الشباب من الأكاديميين ؟!(28/11/1423هـ)
  هل فشلنا في إعطاء المرأة حقوقها؟!
  رجال الفجر في:7/1/1424هـ
  تصابوا لصبيانكم! 1429
  الشيخ كلينتون !!!؟ 1424هـ
  أخلاق الكاتب مع القلم ؟! (22/10/1423هـ)
  رحلتي إلى كندا (4/5) 1424هـ
  الوازع الديني.. والتخريب! في (7/7/1429هـ)
  الحسد .. وأحوال الناس (4/1/1423هـ)
  لنحترم ربة البيت ! (6/4/1424هـ)
  الشهوة = الجنس
  المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار و النظرات
  رحلتي إلى كندا (3) (22/7/1424هـ)
  رحمة الله
  ختام رمضان وصلاح النفوس
  الرضاعة الطبيعية
  أهداف الاستقامة الخلقية في الإسلام (10)
  القراءة وحاجتنا إليها
  حصاد الانتفاضة في 5/8/1423هـ
  الانترنت وحرمة الأعراض
  آية الكرسي تأملات ووقفات في 21/8/1424هـ
  قصة امرأة عمران
  قصة أخت موسى
  شبابنا و الإجازة وبناء الشخصية
  أهداف الاستقامة الخلقية في الإسلام (1)
  أسباب التوفيق والنجاح بين الزوجين(2)
  وبالوالدين إحساناً
  نواقض الإسلام
  قصص موسى الجزء الرابع
  قصص موسى الجزء الأول
  عرفات عبر وعبرات 1
  طريقنا للقلوب 2
  الشيشان شموخ وأحزان 2
  الرجل الالف 2
  ياسامعاً لكل شكوى 1
  أربعون وسيلة لاستغلال رمضان 1
  جاري العزيز 2
  كوسوفا وأحلام الصليب 2
  الفائزون في رمضان 2
  توجيهات وأفكار في تربية الصغار2
  رسالة إلى معلمة 2
  وأنتِ أيتها الأمل 2
  بوابة الهلاك1
اختار مجال البحث
    عدد الزائرين: 143394
    زوار اليوم: 47
    زوار الشهر: 3617


   قائمة الخطب

خطب الجمعة - قصة امرأة موسى عليه السلام
  حفظ بصيغة ورد  طباعة الصفحة    اضف تعليق    أرسل لصديق   
     قصة امرأة موسى عليه السلام

قصة امرأة موسى عليه السلام في 26/1/1430هـ

الحمدُ للهِ الذي أنزلَ آياتٍ بيناتٍ، وفصلها سورًا وآياتٍ، وصلى اللهُ وسلمَ على نبيِّ الْمَكْرُمَاتِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن تبعهم حتى المماتِ. أمّا بعدُ: أيّها النَّاسُ! اتقوا ربَّكم واشكروه، واعملوا بالقرآنِ وتدبروه، فهو سد منيع في وجه فتنِ الشبهاتِ والشهواتِ، وكنا قد بدأنا وما زلنا بسلسلة (قصص النساءِ في القرآنِ)، فتحدثنا عن قصة أم البشر حواء، ثم قصة امرأة نوح وامرأة لوط، ثم قصة امرأة عزيز مصر، ثم قصة ملكة سبأ بلقيس، ثم قصة امرأة زكريا، ثم قصة امرأة عمران، ثم قصة امرأة أيوب، ثم قصة سارة امرأة إبراهيم، ثم قصة أم موسى عليهم السلام أجمعين، واليوم نواصل الحديث عن المرأة العاشرة: فتاة ذكية شجاعة، حيية عفيفة، موفقة بارة بأبيها، صابرة معينة لزوجها، هي: بنت الرجل الصالح شعيب، وامرأة نبي الله موسى، ذكرها القرآن بلفظ (أهله) في ثلاثة مواضع: في الآية العاشرة من سورة طه{إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى}،وفي الآية السابعة من سورة النمل{إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}وفي سورة القصص من الآية الثالثة والعشرين:{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ}،وحتى الآية التاسعة والعشرين {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}، ذكر المؤرخون أن اسمها: صفوريا. وقال محمد بن إسحاق في البنتين: اسم الكبرى صفورا، والصغرى ليا. وقال غيره:صفرا وصفيرا. وقال الضحاك: صافورا، والتي جاءت إلى موسى عليه السلام هي الكبرى على قول الأكثرين، وليس في القرآن دلالة على شيء من هذه التفاصيل، كما اختلف المفسرون في الشيخ والد الفتاة، هل هو شعيب عليه السلام، أم ابن أخيه، أم أنه رجل صالح اسمه شعيب وليس بنبي؟! وما دام ليس هناك نص ثابت فتفويض العلم إلى الله تعالى أولى، ومنهج القرآن في القصص على النتيجة والعبرة، دون التوقف على الأسماء والأعداد، فليتنبه المشتغلون بتفسير القرآن لهذا، وليعلموها لطلابهم وأبنائهم. قال الله تعالى عن موسى عليه السلام:{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ} وصل مدين ووقف عند بئر فيها يستقون منها، فوجد الرعاء والحشد وقد تزاحموا عليها، {..وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} رأى من دونهم امرأتين في ضعف وحياء، تكفكفان غنمهما حتى يفرغ الناس من سقي مواشيهم، فرقّ لهما ورحمهما، وثارت في نفسه حمية الخير والعون للمستضعفين، وهكذا دومًا شأن الأنبياء والمصلحين الصادقين في كل العصور، فتقدم إليهما سائلاً مستفسرًا: {قال:مَا خَطْبُكُمَا}؟{قَالَتَا: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}لله درهما! حياء وحشمة، وبر بالوالدين وخدمة، أي أننا نجتنب مزاحمة الرجال، ولا نحب مخالطة الرعاء، إنما نسقي بعدهم، ثم بينتا أنهما اضطرتا للخروج اضطرارًا؛ لأن أباهما شيخ كبير لا ينهض، ولا يستطيع من الكبر والضعف أن يَسْقِيَ ماشيته، فما أبلغ الدرس في القصة: حياء، وتجنب اختلاط، وعمل شريف، وبر وخدمة للوالدين، فدونكِ أيتها المرأة المسلمة دروس القرآن وعبره، فلك بهاتين الفتاتين أسوة وقدوة! لا تحزني ولا تتحسري فالحياء من الإيمان، وتجنب الاختلاط بالرجال من أصول الدين وشيم العرب ومكارم الأخلاق، حجاب وحياء، وعفة وحشمة! لا ترضى بمكان عمل أو وظيفة فيها اختلاط بين رجال ونساء، لا تُزاحم الرجال في المستشفيات، ولا في الطرقات والأسواق، ولا في محلات الأقمشة وصالات الانتظار، هكذا المرأة المسلمة، دينها عندها أغلى وأعلى وأعز من الدنيا بأسرها، مهما قالوا باسم المرأة العصرية! مهما أرجفوا باسم حقوق المرأة، وهنا يكون الطهر سمة للمجتمع، وبمثل هذه الآداب تكون عفة الرجال وشهامة الأبطال، فموسى عليه السلام جاشت حميته واستثيرت نخوته ولم يتردد في بذل المعروف:{فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ}أخرج ابن أبي شيبة بسنده "عن عمر بن الخطابt أن موسى لما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال:ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبًا واحدًا حتى رويت الغنم" ذكره ابن كثير في تفسيره وقال:"إسناد صحيح". جلس موسى إلى ظلّ شجرة سَمُرة، فقال:{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ذُكِر أنه قال هذا القول وهو بجهد شديد، وعَرَّض بذلك للمرأتين لعلهما أن تُطعماه مما به من شدّة الجوع فقد قيل: إن الخير الذي قال نبي الله {إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}إنَّمَا عنى به: شَبْعَة من طعام فقد كان بطنه لاصقًا بظهره من الجوع؛ بكرت الفتاتان بالرُّجعى إلى أبيهما الشيخ على غير عادة، فسألهما الخبر، فأخبرتاه، فأرسل في طلبه إحدى بنتيه، {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} تدبروا ملياً قول الله:{عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}ما أجلها من كلمة، وما أرفعه من خلق! الحياء أغلى ما تملكه المرأة،وهو أروع الآداب،وهو الحائل بين المرء وبين المعاصي والمنهيات، قال زيد بن ثابت: "من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله".         

ورب قبيحة ما حال بيني  ***   وبين ركوبها إلا الحياء

فكان هو الدواء لها ولكن ***   إذا ذهب الحياء فلا دواء

قال الطبري:"جاءت موسى إحدى المرأتين اللتين سَقَى لهما تمشي على استحياء من موسى، قد سترت وجهها بثوبها". قال عَمرو بن ميمون:" ليست بِسَلْفَع من النساء خرّاجة ولاجة بل واضعة ثوبها على وجهها".

ما تجملت المرأة وربي بأروع من الحياء والستر والحجاب

إذا لم تخش عاقبة الليالي *** ولم تستحي فاصنع ما تشاء

فلا والله ما في العيش خير *** ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

لقد استجاب موسى عليه السلام للدعوة لكن من حيائه ونبل أخلاقه لم يشأ أن تمشي الفتاة أمامه - رغم أنها الدليل- لئلا يقع نظره عليها، بل جعلها خلفه وقال لها: إن ضللت الطريق أعلميني برمي حجر..يا لله ما أعظم منهج العفة وغض البصر! ما أروع تربية النفس وإغلاق مداخل الضعف والشيطان عليها؟! أين من يريد تربية النفس وتزكيتها وصلاحها{وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}إنها خطوات وقبلها: نظرات وخطرات، نظرة فخطرة فخطوة فخطيئة، فكيف ونحن بزمن الفضائيات والماسنجر والبلوتوثات، فحذار حذار فالنظرة سهم من سهام إبليس فتاك، فكم من قلب فسد بسببها، وكم من نفس تعيش في قلق وهم من جرائها، وكم من عابد وصالح وقع فريسة لها، وكم من شاب انتكس لما تعلق قلبه بها، وكم من فرد وقع في جريمة الزنا والخنا لما أصابه سهمها .

فكل الحوادث مبدأها من النظر      ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة فتكت في قلب صاحبها     فتك السهام بلا قوس ولا وتر

وصل موسى بيت الشيخ، ثم قص عليه قصصه، وأفضى إليه بمكنون سره، فطمأنه الشيخ وقال:{لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}هدأت نفس موسى في منزل الشيخ الكريم، وسكنت إلى صحبته، ولقد كان موسى كريْمَا فتيًّا، أثار في نفس الشيخ وابنتيه عوامل الإكبار والإعجاب لما زانه الله به من طبع قويم، وخلق كريم، فتحرك في نفس إحدى الفتاتين حب الاستظهار بموسى وقوته، والإبقاء عليه لطهارته وأمانته، فقالت:{يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} لقد كانت محاورة ذكية، تشارك وتبدي رأيها وتقترح، هكذا كانت مع أبيها، بل ومع زوجها قبل الزواج وبعده، فلم يمنعها الحياء والعفة من التواصل والتحاور، وبكل أدب وثقة ومسئولية، فلله درها بنت الإسلام، هكذا معاشر الآباء تُربى الفتاة، وتُعطى قدرها ورأيها واحترامها، لتكون فاعلة واثقة مثمرة، فتأملوا هنا ثقل عقلها لم تبالغ الفتاة في المدح، ولم تشطط في الثناء، بل قالت في موسى ما شهدته بنفسها، ومن ذكائها وفطنتها وصفته بصفتين مهمتين يشترط توافرهما في كل عامل وموظف حتى يكون ناجحًا ومفيدًا وهما:(القوة والأمانة)، أَوَليس هو الذي رفع الحجر عن البئر منفردًا على ما كان به من تعب وهزال؟ وقد كان لا يرفعه إلا عشرة رجال؟! فهذا دليل واضح على قوته، أليست الأمانة بينة واضحة حينما كلمته ودعته إلى البيت بأمر من أبيها، فسار أمامها مطرقًا برأسه؟! عرفت هذه الفتاة العاقلة، أن هاتين الصفتين ينبغي توافرهما في كل رجل مؤمن جاد، خاصة الأجير والموظف والعامل، إن القوة هنا تعني: الكفاءة والمهارة، والنشاط وجودة الأداء، وبذل أقصى الجهد. وأما الأمانة فهي خلق راسخ في النفس، يعفُّ به الإنسان عما ليس له به حق، ويؤدي ما يجب عليه من حقٍّ لغيره، ويهتم بحفظ ما استُؤمن عليه، دون تفريط وتهاون. وهي تعني في المجال الوظيفي: القيام والاهتمام بالعمل بإتقان، والحرص على غزارة الإنجاز والإنتاج. وتعني: عدم القيام بأي أعمال تضر بمصلحة العمل، من تقصير وغياب وتأخر وكسل وإهمال..وعدم استغلال العمل لتحقيق مصلحة شخصية غير مشروعة. فلله در ابنة شعيب وفهمها وعقلها، ولذا استجاب شعيب لرأي ابنته فقال: يا موسى! إني لراغب في أن أزوجك إحدى ابنتي هاتين على أن تكون عونًا لي وظهيرًا، وصهرًا كريمًا، ترعى غنمي، وتشد من أزري، وتقوم بنصرتي ومساعدتي ثماني حجج، وإن زدتها اثنين فتلك منةُ جليلة أرجوها منك، ولا أحتمها عليك، وسأكون لك إن شاء الله من الأوفياء المخلصين..، فأتم موسى أقصى الأجلين، يدبر شؤون شعيب برعاية الأمين، الناصح الحكيم، مع زوجته الصالحة العفيفة،وتأملوا كيف اهتدى موسى عليه السلام لهذه الفتاة، كيف عرفها؟ وكيف أصبحت زوجة له؟ وهكذا كل واحد منا له قصة وطريقة في كيف اهتدى لزوجه؟!"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"، فإن في تشريع الزواج دروساً كثيرة، وحكماً عجيبة، فقلبين غريبين بعيدين يتركان البيت الذي نشأ فيه وترعرع كل منهما، غريبان يجتمعان تحت سقف واحد، ليصبح بينهما من السكن والألفة والمودة والرحمة ما يعجب له العقلاء؟!]وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ([الروم:21].، أما كيف اهتدى موسى لزوجته فأمر عجب! فقد تحولت بفضل الله رحلة الخوف والمطاردة والمصير إلى المجهول إلى رحلة مباركة؛ رحلة غُنم وراحة وزواج، وهكذا " صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وتقود إلى خيرات وخيرات، ليس فقط لموسى بحسن صبره وإحسانه، وتوكله حق التوكل على الله كما قال تعالى عنه:" ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل" (القصص 22)، ما أروعها من دعوات، فهداه الله سواء السبيل ودله على خير عميم، بل حتى للفتاة فقد ساق الله لها زوجاً صالحاً، ونبياً كريماً، وفقها الله ورزقها من حيث لا تحتسب ربما بنيتها الصادقة، وبرها بأبيها، وبصلاحها وحيائها وعفتها،{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا*وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}،فيا معاشر الشباب والفتيات: تجملوا بالتقوى، وتوكلوا على الله حق توكله، وأحسنوا الظن بربكم، وأكثروا من صنائع المعروف وعمل الخير، يفتح الله لكم في الزواج الأبواب، ويُيسر للاختيار والتوفيق الأسباب. هذه المرأة قرر زوجها العودة إلى مصر مسقط رأسه ومرتع صباه، لقد تحركت في صدره نَشوة الحنين إلى الوطن، واختلجت في فؤاده عوامل الشوق والشَّجَنِ، فاشتاق إلى أهله، ونزعت نفسه إليهم ولوطنه،

بلاد ألفناها على كل حالة -  وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن

وتستعذب الأرض التي لا هوى بها - ولا ماؤها عذب ولكنها وطن

فحب الإنسان لوطنه وأهله غريزة وجبلة، أما القول المشهور على الألسنة "حب الوطن من الإيمان"فإنه لا يصح لا سنداً ولا معنًى؛ لكن حب الوطن غريزي كحب النفس والأهل والأولاد، وليس من لوازم الإيمان، والناس كلهم مشتركون في هذا الحب لا فرق في ذلك بين مؤمن وكافر؟ وإن اشتهرت هذه المقولة بين الناس والمثقفين والكتَّاب إلا أنه حديث موضوع مكذوب على رسول الله، لا يصح سندًا ولا متنًا، ولا تجوز نسبته إلى المعصومe، وأمر فطري وطبعي أن يحب الإنسان وطنه ويشعر بالحنين الصادق له خاصة عندما يُغادره إلى مكانٍ آخر، إلا أن حب الله مقدم على حب كل شيء، فقدوتنا وحبيبنا محمدe أُخرج من مكة مهاجراً فاراً بدينه وحبه لله، رغم حبه وشوقه لوطنه مكة فهاهوeيقول: ((مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ))رواه الترمذي وقَالَ: "حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ" وصححه الألباني،، وهنا موسى عليه السلام اشتاق لأهله ووطنه، وزوجته سترحل عن أهلها ووطنها، وهكذا هي الدنيا، والزوجة مطيعة لزوجها، وهي سيدة بيته في أي مكان كان، ((فالْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ: إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا – زوجها – سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ))، وهكذا كانت هذه المرأة، فقد جمعت الفتاة متاعها، وتهيأت للرحيل مع زوجها، خرجا من مدين إلى مصر، فقدر الله لها ولزوجها أحداثاً عجيبة في طريقهما:{فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}سار موسى من مدين بصحبة زوجه الطاهرة العفيفة، نحو الجنوب، حتى طور سيناء، قيل:كان معه وَلدان، وغنم وهبها له صهره، وكان ذلك في ليلة مطيرة، مظلمة باردة، فضلوا الطريق وتاهوا، واشتد الظلام والبرد، وكلما أورى زنده لا يضيء شيئًا، فتعجب من ذلك، فبينما هم كذلك إذ أبصر عن بُعد نارًا تتأجّج وتضطرم في جانب الطّور فـ{قَالَ لأَهْلِهِ: امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً}، أي: امكثوا لوحدكم هنا شفقة منه عليها، وإشارة منه لرحمته واهتمامه بها، وفيه أيضاً دليل على شجاعتها وقوة قلبها، فستبقى وحدها، بينما زوجها سيذهب يتحرى وينظر{لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ}أي: لعلي أستعلم من عندها عن الطريق{أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي قطعة من النار تتدفئون بها من البرد، فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة مظلمة، وفعلاً أتاهم منها بخبر ولكن أي خبر؟! حقاً وجد هدايةً للطريق، ولكن أي هدًى،وأي طريق؟! لقد اقتبس منها نورًا ولكن أي نور؟! قال الله تعالى:{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}سبحان الله! (اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، ملك الملوك يكلمك يا موسى؟! أيتها المرأة الصالحة: إن الذي يخاطب زوجك هو الله! أيتها المرأة إن الذي يكلم بعلك هو رب العالمين،{يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(النمل) فتعالى الله وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته، وأقوله وأفعاله. فما الخبر؟! وماذا قال الله لموسى؟ وما قصة تلك الشجرة؟ وما ذاك المكان المقدس؟ وماذا حصل بعد ذلك؟ وكيف سارت الأحداث؟ وما نهايتها؟! كل ذلك أجبنا عليه في سلسلة قصص موسى عليه السلام، اثنى عشرة حلقة مليئة بالدروس والعبر، لعلكم تذكرونها، نسأل الله أن يبارك لنا ولكم في القرآن الكريم، وأن ينفعنا بما فيه من الآيات والقصص والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين. إنه هو الغفور الرحيم .

   الخطبة الثانية: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: توقفت الحرب على غزة بفضل من الله ثم بفضل الصمود والدعاء، ولن تتوقف غطرسة اليهود و غرورهم، ولكن الله للظالمين بالمرصاد، وهاهو العالم كل يوم يكتشف حجم الجريمة، وضخامة الحدث، وتبقى قصص المآسي والأهوال التي يعيشها إخواننا هناك، والتي لن ولم يشعر أحد كشعورهم، ففي كل بيت قصة أليمة، ولكل فرد آلام وأحزان،

وخسائر أهل ومنازل وأموال، وأطفال و أيتام وجرحى ومرضى وآثار نفسية لا تنتهي، فالله لكم ومعكم يا أهل غزة، وواصلوا معاشر المسلمين وقوفكم ونصرتكم لإخوانكم، فالآن أصبح دوركم أكبر وأمكن، اللهم كن لإخواننا المستضعفين في غزة وفلسطين، اللهم الطف بهم، واجبر مصابهم، اللهم اكشف عنهم الكرب، وعجّل لهم بالفـرج، اللهم رحماك بالأرامل واليتامى والثكالى، رحماك اللهم بالصغير وذي الشيبة الكبير، اللهم أمن خوفهم، وأنزل السكينة على قلوبهم، اللهم اجعل لهم من كل همٍّ فرجا، ومن كل ضيق مخرجا. اللهم يا قوي يا عزيز أهلك اليهود الظالمين ومن أعانهم، اللهم أضعف قوتهم، وشتت شملهم، وخالف بين رأي وقلوب قادتهم، اللهم وارحمنا برحمتك وأنزل علينا وعلى إخواننا في غزة غيثاً من السماء، اللهم أغثنا، واجعله بلاغاً ورحمة بالعباد، يا ربنا انشر رحمتك في البلاد، اللهم أسقنا وأغثنا، اللهم أسقنا وأغثنا، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، و اجمع كلمة قادتهم لنصرة الإسلام في كل مكان، اللهم اجمع قلوبهم على التوحيد والقرآن، وآلف بينهم وبين شعوبهم، ووحد صفوفهم، اللهم وفق ولاة أمرنا خاصة لخير الإسلام والمسلمين، واجعلهم مفاتيح خير مباركين، وملاذاً ونجدة للمستضعفين والمساكين، اللهم فرج هم المهمومين،واشف مرضى المسلمين، اللهم صل على محمد النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين،ومن تبعهم إلى يوم الدين،والحمد الله رب العالمين.

تمت النشر بتاريخ   17/3/1430        القراءة   332




1 - المجاهدة لرضى زوج ليرضى اللهاضيف التعليق بتاريخ  12/2/1431
لا فض فوك يا شيخ ابراهيم
.

ملحوظة : جميع التعليقات تعبر عن رأي صاحبها وليس رأي الشيخ الدكتور إبراهيم الدويش


       تطوير محمد عبد المقصود