شبابنا والإجازة وبناء الشخصية 17/7/1430هـ
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة العالمين،وعلى آله وصحبه وخلفائه الراشدين ،ومن استن بسنتهم إلى يوم الدين،أما بعد:عباد الله: بدأت الإجازة، بدأت أيام حرجة يمر بها الشباب من الجنسين، فهي مفترق طرق، ونقطة تحول في حياة الكثير من الشباب،قوة أبدان، وصحة أجسام،ونضج غرائز،تجتمع هذه كلها مع فراغ وقت طويل،يقول :"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ" رواه البخاري .فالشباب بأمس الحاجة إلى آباء عقلاء، ومربين أمناء، فمرحلة الشباب من أخطر المراحل في حياة الإنسان ،لأنها مرحلة قوة بين ضعفين،ضعف الطفولة،وضعف الشيخوخة،ولذا خص الشباب في قوله:"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس"،وذكر منها: "وعن شبابه فيما أبلاه"رواه الترمذي. فإن لم تجد هذه المرحلة وتلك الطاقات الشبابية عناية من الآباء والمربين، وتوجيهاً من الناصحين، فإنها ستكون عامل هدم، ومعول فساد في المجتمع، بحيث لا يؤويهم إلا الأرصفة والممرات، والشوارع والجلسات، فيزعجون ويضايقون، وربما تكون لهم تلك اللقاءات مدارس شيطانية تعلمهم كل أنواع الشهوات والشبهات، ويزداد الأمر علة،والطين بلة إذا اجتمعت تلك الطاقات الفارغة مع المثيرات للغرائز،المهيجة لها عبر أفلام ماجنة، ودعايات وشبهات مضللة، وتعظم البلية إذا صاحب ذلك جلساء سوء ومكر وفسق، فهل ندرك حجم مشكلة الفراغ هذه الأيام؟!،ونحرص كل الحرص على بناء شخصية الأبناء،بل هل يدرك الشاب نفسه خطورة الأيام القادمة، وأهمية استثمارها، وبذل وسعه في بناء شخصيته وتكاملها، فهذه الأيام فرصة ثمينة، فرصة لمزيد من البناء التربوي والعلمي غير المدرسي والذي يحبه الشاب ويتشوق إليه، يقول ابن الجوزي ناصحاً ابنه:"فينبغي لذي الهمّة أن يترقّى إلى الفضائل، فيتشاغل بحفظ القرآن وتفسيره، وبحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وبمعرفة سيره وسير أصحابه والعلماء من بعدهم، ولا بدّ من معرفة ما يقيم به لسانَه من النحو،ومعرفة طرف مستعمل في اللغة،والفقه أصل العلوم، والتذكير حلواؤها وأعمّها نفعاً".ومن تأمل في إقبال الشباب والفتيات خلال هذا الأسبوع على الدورات القرآنية والعلمية وتنافسهم عليها،علم الخيرية والهمة لدى شبابنا متى فتحت لهم السبل،وتهيئت لهم المحاضن العلمية والتربوية،وقد أثبتت الإجازات الماضية قدراتهم، وكشفت عن جديتهم وعلو هممهم، ويبقى السؤال الأهم في مثل هذه المشاريع العملاقة الرائعة: هل يكفي الحفظ فقط؟ أم أننا نحتاج لغرس فهم وفقه النصوص وتطبيقها،وهذه خطوة ثانية لا تُضعف روعة الخطوة الأولى، بل تٌكملها وتُحليها، فنهيب بالقائمين على مثل هذه المحاضن، نقل عقول الشباب من التلقين إلى التفكير، ومن التقليدية إلى الإبداع والتجديد، وهذا يقودنا للحرص على ثانياً في مرحلة بناء الشخصية المتميزة،وهو: البناء الفكري أو العقدي:يقول ابن قدامة:"فإذا بلغ الصبيّ فأول واجب عليه تعلّم كلمَتَي الشهادة وفهم معناهما، وينبغي أن يتعلّم الإيمانَ بالبعث والجنة والنار...الخ".فالبناء الفكري يكون أولاً:بتعليم الأبناء المسائل الإيمانية والمباحث العقدية الميسرة ليفهم أصول إيمانه، ويكون راسخ المبدأ قوي الحجة، ولن يكون هذا إلا باستخدام الأدلة العقلية والحقائق العلمية في دعم المباحث الفكرية والعقدية، فهما للعمل والتطبيق وليس مجرد الحفظ والترديد.لأننا نريد تأسيس الخطوة الثالثة من خطوات البناء الفكري السليم لدى شبابنا، والمتمثلة: في تكوين عاطفة قوية مبنية على العلم النافع والقناعة، وليس مجرد الحماس وحب الدين فقط، فهذه هي العاطفة الصادقة التي تدفعه إلى التعقل وسلامة التفكير ومعرفة المفاسد والمصالح.واسمعوا للمربي العلامة ابن سعدي يقول:"وينبغي للوالد أن يشاور أولاده في الأمور المتعلقة بهم،ويستخرج آراءهم، ويعوّدهم على تربية أفكارهم وتنمية عقولهم"الخ. فالبناء الفكري معاشر المربين يكون بتعويد ذهن الأبناء والشباب على الاستنباط واستخراج المسائل، وبتربيتهم على استدامة التفكير والنظر المعتبر في مخلوقات الله عز وجل، وفي الوقائع والأحداث.ومن ثَم: إبعاد أذهانهم عن التفكير في الأمور الفاسدة من شهوات وشبهات ببيانها ومناقشتها معهم بكل وضوح وصدق وجرأة. ولن يكون هذا إلا بترويض أذهانهم على تدبر وتفهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية..خاصة تلك التي يحفظونها ويرددونها، فهل يتنبه لهذا مشرفي الدورات ويولونها الأولوية، بدل كثرة المحفوظات التي سرعان ما تزول إن لم يُصاحبها فهم وتدبر.فإن تم هذا كانت المرحلة الثالثة من بناء الشخصية المتميزة،وهي: البناء الأخلاقي، يقول ابن القيم:"ومما يحتاج إليه الولد غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خُلُقه؛ فإنه ينشأ على ما عوّده المربي في صغره"الخ.وذلك بتعريف الشباب بأهمية الأخلاق وأنها عبادة عظيمة وغرس ذلك في قلوبهم، ثم بالوقوف بهم على معالم الأخلاق وحدودها وضوابطها،من خلال القراءة وإدمان النظر في سير الأنبياء والنبلاء.ثم ثالثاً:تنشئتهم عملياً على القيم الأخلاقية باستخدام كافة الوسائل والأساليب التربوية العملية،من توليتهم المسئوليات والقيادة وتطبيقهم لمكارم الأخلاق من صبر وعزيمة ومجاهدة نفس وتقوية إرادة، ووفاء وعفو وإيثار ونحو ذلك.ومن أهم ما يُعين على هذه التربية التطبيقية، المرحلة الرابعة من مراحل بناء الشخصية المتميزة،وهو:البناء الإيماني والتعبّدي ،أي:العلاقة بينه وبين الله، وهل هي قائمة على المحبة والتعظيم، والذي يقود لتنمية روح المحبة للعبادات بعد التعريف بها وبفضلها وأثرها، فليست العبادات مجرد تطبيق فقط دون روح، أو فهم للمعاني والمقاصد.فتنشئة الشباب منذ المراحل الأولى على مثل هذه المعاني الإيمانية لها أثر كبير في شخصياتهم حاضراً ومستقبلاً، ولذا فمهم جداً تدريبهم عليها عبر الدورات الصيفية تدريباً عملياً بالأساليب التربوية الجميلة،والإقناعية الحكيمة.وأما المرحلة الخامسة من مراحل بناء الشخصية المتميزة:البناء الاجتماعي: يقول القاسمي:"الوقت الذي تمضيه في أداء الواجبات الاجتماعية ليس بوقت ضائع؛ لأن حبّ الغير ومعاونته والعمل على نشر العلم وتقليل وطأة الفاقة كلها من دلائل السعادة".ويكون البناء الاجتماعي:بتنمية وغرس روح المحبة والأخوة لدى الشباب، وتعريفهم بمقاصد الشريعة الإسلامية،وتذكيرهم دائماً أنها شريعة بناء لا هدم.وأن عليهم حقوقاً اجتماعية تجاه الآخرين، وأن من المهم:الحفاظ على كيان المجتمع،وتماسكه وتواده.ثم تدريب كل شاب أن يكون شخصية اجتماعية محبوبة مبتسمة مراعية لضوابط الخلطة الاجتماعية. أما المرحلة السادسة من مراحل بناء الشخصية المتميزة:البناء الصّحي،وذلك بتدريب وتعليم الشباب والأبناء الالتزام بقواعد الصحة العامة، وتعويدهم على ممارسة الرياضة البدنية، و تبصيرهم بأهمية معرفة الغذاء الصحي وما ينفع وما يضر، وخطورة أكل كل شيء وفي أي وقت دون تنظيم. وأما المرحلة السابعة من مراحل بناء الشخصية المتميزة: البناء العملي المهني:يقول القاسمي:"خليق بالآباء- وإن كانوا في غنىً أو جاه- أن يربّوا أولادهم على مبدأ الاعتماد على النفس والاستقلال بأن يستعدّ في حياة والديه للعمل؛ لأن الحياة لا تقوم إلا بالحركة والسعي والعمل والتدبير".ويتمثل البناء المهني، ،أولاً: بتبصير الشباب والأبناء بفضل العمل وأهميته لهم، وغرس ذلك في نفوسهم. ثم ثانياً:بتدريبهم وتعليمهم أخلاقيات العمل وآدابه وشروطه. وثالثاً: بتدريبهم وتعليمهم الفنون الاقتصادية حسب رغباتهم وقدراتهم.ثم رابعاً: تذكيرهم بأن العمل والكسب والتجارة وسيلة لا غاية، وأن القصد غناء النفس لا غناء المال وجمعه وعبادته"تعس عبد الدرهم،تعس عبد الدينار ، تعس وانتكس ،وإذا شيك فلا انتقش..".هكذا معاشر الإخوة والأخوات: إن أردنا أن نستثمر صيف أولادنا وشبابنا، إنه البناء للنفس تدريباً وتعليماً، وبوسائل تطبيقية وترفيهية لا تُمل، سبع مراحل كخطة استراتيجية لبناء الشخصية الشبابية المتميزة، من خلال برامج ومناشط ودورات الصيف، بناء علمي وفكري وأخلاقي وإيماني واجتماعي وصحي ومهني. فكم هم الشباب الذين يُدركون هذا وأهميته؟ بل كم هم الأباء والأمهات الذين يفقهون هذا؟ وهل يعلم المربون هذا فضلاً عن تطبيقه وتوجيه الشباب إليه؟ بل أنت أيها الشاب:هل سعيت لتحقيق هذا البناء الرائع المتكامل؟هل أنت جاد حقاً في بناء نفسك؟ وتكامل شخصيتك؟ إن حياة الإنسان أنفاس تتردد وتتعدد، وآمال تضيع إن لم تحدد، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك،بل الوقت هو الحياة، فالوقت أغلى من الذهب ومن كل جوهر نفيس، خسارة أن يعيش شباب في عمر الزهور عيشة الّلامبالي بوقته، خسارة أن يألف شباب الأمة وهم أصحاء أقوياء النوم حتى الظهر، فهذا لا يليق بأمة خلقت لقيادة البشرية! ووُجدت لتكون شاهدة على الناس يوم يقوم الناس لربهم؟ أمة شرفت بحمل أعظم رسالة! وحملت أثقل أمانة! وأنيط بها أضخم مسؤولية، وأكبر تكليف!؟ ألستم يا شباب أبناء قوم كانوا على أوقاتهم أشد حرصا منهم على الدنيار والدرهم، هذا ابن مسعود يقول: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت فيه شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي). وهذا الإمام أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم يُباحث وهو في النزع بعض عُوَّاده في مسألة فقهية، رجاء النفع بها لمستفيد أو متعلم، ولا يخلي اللحظة الأخيرة من لحظات حياته من كسبها في مذاكرة علم وإفادة واستفادة.لقد كان أسلافنا الأوائل يُسابقون الساعات، ويبادرون اللحظات، ضناً منهم بالوقت، وحرصاً على أن لا يذهب منهم هدراً. ولقد أورث ذلك نتائج أشبه بالمعجزات، وإذا بالإنجازات قريبة من الخيال: علم وعبادة وجهاد، وتصنيف وتأليف وابتكار، هكذا كانت أحوالهم يوم عرفوا قيمة الزمن،وهكذا كانت إنجازاتهم يوم اتسعت مداركهم ونضجت عقولهم، فإذا كان هذا تاريخ أسلافنا، فلم لا نقتدي بهم ونستفيد من طريقتهم في تربية ذواتنا وشبابنا،وإعداد أنفسنا حتى تكون قادرة على العطاء بلا حدود، ألا إن البدائل متاحة، والمجالات مفتوحة لاستثمار الوقت وشغل الفراغ،وقد
حرصت الجهات الرسمية مشكورة مأجورة بافتتاح عدد من النوادي الصيفية ودورات علمية متنوعة، وأخرى لحفظ القرآن ومراجعته وتدبره، كل ذلك لشغل أوقات الشباب والفتيات خلال الإجازة، يتولى ذلك مشرفون أمناء، وموجهون أوفياء،إشراف في ديانة، وتوجيه في دعوة، يعلِّمون بالكلمة، ويربون بالقدوة في منهج عدل، ومسلك وسط، مع صحة معتقد، وسلامة تفكير، واستقامة سلوك، رجال بذلوا أنفسهم وأوقاتهم في وقت انشغل فيه الآباء عن أبنائهم، هكذا نحسبهم ولا نزكي على الله أحداً، فتحية إجلال وإكبار لهؤلاء رجالاً ونساءاً، مع وصيتنا لهم برعاية هذه الأمانة وبمزيداً من الجدية في تربية الشباب والفتيات، مع الرفق والتلطف والتجديد والإبداع، بما يناسب نفسيات شباب هذا العصر ومواهبهم. وأنت أيها الشاب المبارك، هيا اعتمد على نفسك ولا تتردد فالخيارات أمامك متنوعة، والبدائل متعددة فهيا لتختار لنفسك ما يناسبك ويلائمك، واحذر من الكسل والتسويف.. المهم أن تكون رقماً مضيئاً ساطعاً نافعاً.أيها الناس: لا شك أن الأبناء في أعناق أوليائهم، ولقد كان للمدرسة أثناء الدراسة دور كبير في حفظ أوقاتهم ورعايتهم، وقد أصبح الآن العبء ثقيلا، والمسؤولية على أولياء الأمور أكبر،كحمايتهم من ضياع الوقت، وانحراف السلوك، وتفقدهم كل وقت، ومنعهم من مصاحبة جلساء السوء، فإننا نشاهد هذه الأيام الشباب وتجمعاتهم في الأحياء والشوارع إلى طلوع الشمس ودون رقيب أو حسيب، فأين آباء وأمهات هؤلاء؟ إنكم عنهم مسؤولون، وعلى إهمال رعايتهم معاقبون،فالله تعالى يقول:"يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون.واعلموا إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم". أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية:
الحمد الله،والصلاة والسلام على رسول الله،أما بعد عباد الله: لشيخ الإسلام ابن تيمية كلمة جميلة رائعة يقول فيها:"ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر ،وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين ،ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها،وتعطيل المفاسد وتقليلها ،وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك فقد يدع واجبات ويفعل محرمات ويرى ذلك من الورع".(الفتاوى 20/514) ولا أظن يفهم هذا إلا من حرص على بناء نفسه وشخصيته، علم وعقيدة وفكر ناضج، وأخلاق وعبادة ونفع للعباد والبلاد،نسأل الله أن يجعلنا أجمعين من الصالحين المصلحين، وأن يبارك لنا في الأعمار والأوقات، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين،اللهم وأصلح ولاة أمرنا، ووفقهم لما تحبه وترضاه وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة،اللهم ارحم موتانا،واشف مرضانا، اللهم اقض الدين عن المدينين،وفرج هم المهمومين،وصل اللهم وسلم على النبي الأمين، وعلى خلفائه الراشدين، وآله وأصحابه والتابعين،والحمد لله رب العالمين.