والصيف ضيع الفجر، في 5/6/1430هـ
الحمد لله الذي شرع لنا ما يقرّبنا إليه ويدنينا،ونهج لنا من الطرق ما يكفينا عن غيرها ويغنينا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهنا ومليكنا وناصرنا وهادينا، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله بالهدى ودين الحق شرعة وتوحيداً وديناً، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أفضل الناس أخلاقاً وأعمالاً وعلماً ويقينًا..أما بعد عباد الله: تأملوا هذه الصورة الجميلة، وهذا الموقف الرائع، والذي يصوره لنا الحبيبe، فقد أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّeقَالَ: عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وحِبِّه- وَحَيِّهِ-إِلَى صَلَاتِهِ فَيَقُولُ رَبُّنَا يَا مَلَائِكَتِي انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي ثَارَ عن فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ وَمِنْ بَيْنِ حِبِّه- أو حَيِّهِ- وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي،وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي.."يالها من صورة معبرة عن فئة من المصلين المنتصرين على أنفسهم، صورة إيمانية رائعة لمن استجابوا لنداء الرحمن، فثاروا على ألحفتهم، ورموا أغطيتهم، وفزعوا لصلاتهم، حتى عجب الرحمن لهم!"ما حمل عبدي هذا على ما صنع؟فكانت الإجابة: حمله يا ربنا رَجَاءَ مَا عِنْدَكَ، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدَكَ، فَيَقُولُ: فَإِنَّي قَدْ أَعْطَيْتُهُ مَا رَجَا وَأَمَّنْتُهُ مِمَّا خَافَ..."، نسأل الله الكريم من فضله، ولما لا يستيقظ العبد والذي وعده: مالك الملك،
روحٌ دعاها للوصال حبيبُها فسَعَتْ إليه تُطيعُهُ وتجيبهُ
يا مدعي صدقَ المحبةِ هكذا فعلُ الحبيبِ إذا دعاهُ حَبيبُهُ
سمع:"حي على الصلاة..حي على الفلاح"،وفهم حقاً معنى:"الصلاة خير من النوم"، فكان على ثقة ويقين بوعد رب العالمين، سبحان الله! ربما سهر وتأخر في النوم كغيره، لكنه فزع وترك لذة النوم؟ وهجر الفراش الوثير؟ لماذا يا ترى؟ ما الدافع؟ وما السر؟ عفواً إخوة الإيمان! ربما أجاب لسان الحال،فقال:
ما المال والأيامُ ما الدنيا ومـا تلـك الكنوز من الجواهر والذهبْ
ما المجدُ والقصر المنيف وما المنى ما هذه الأكداسُ مِن أغلى النشبْ
لا شيء كُلُّ نفيسة مــرغوبةٍ تفــنى ويبقى الله أكرم من وَهَبْ
عباد الله: أستفتح بهذا الكلام، ونحن بمقدم هذه الأيام، نرى حال الكثير من المساجد في صلاة الفجر؟! فالليل يقصر والناس تسهر، والصيف ضيع الفجر، صلاة فرضها الله على كل مسلم، في وقت نوم، يمتحن الله عباده بصدق إسلامهم، ويختبر عزيمتهم وحبهم له، أهو حب صادق يستحق التضحية والمجاهدة، أم إدعاء لحب سرعان ما يضمحل ويزول، إننا لا نتحدث إخوة الإيمان عن صلاة الليل ولا عن قيام الليل بل عن صلاة فرض؟ عن ركن من أركان الدين، عن عمود الدين، عن صلاة الفجر مع جماعة المسلمين، ومع ذلك ففي مثل هذه الأيام لا يكاد الصف الأول يكتمل نصفه! بل أثبت استطلاع للرأي أن من يداومون على صلاة الفجر في المساجد نحو الثلث فقط؟! أما الأكثر فهم صرعى ضربات الشيطان بعقده الثلاث يغطون في سبات عميق، وربما تعمد البعض منهم تأخير القيام حتى اقتراب ساعة الدوام، ربما جهل هؤلاء قول النبيe:"وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ " كما في المسند لأحمد، فلا أظن أن مسلمًا عاقلا يتعمد أن يتبرأ منه الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، والذي بيده كل شيء؟ وقد سئل ابن عثيمين رحمه الله: عمن يسهر ولا يستطيع أن يصلي الفجر إلا بعد خروج الوقت فهل تقبل منه؟ فأجاب: أما صلاة الفجر التي يؤخرها عن وقتها وهو قادر على أن يصليها في الوقت لأن بإمكانه أن ينام مبكرًا فإن صلاته هذه لا تقبل منه لقول النبيe:" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، والذي يؤخر الصلاة عن وقتها عمدا بلا عذر قد عمل عملا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردوداً عليه..الخ. وسئل أيضاً عن حكم من يضع توقيت الساعة لموعد الدوام الرسمي ويصلي الفجر في هذا الوقت سواء السابعة أو السادسة والنصف؟ فأجاب بقوله: هو آثم في ذلك بلا شك، وهو ممن آثر الدنيا على الآخرة، وقد أنكر الله ذلك في قوله تعالى:{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا*وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}. وصلاته هذه ليست مقبولة منه، ولا تبرأ بها ذمته، وسوف يحاسب عنها يوم القيامة، وعليه أن يتوب إلى الله، وأن يصليها مع المسلمين ثم ينام بعد ذلك إلى وقت الدوام إن شاء. ورد الشيخ رحمه الله على من احتج بحديث:"رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ"..،بأن النائم الذي رفع عنه القلم هو الذي ليس عنده من يوقظه أو لا يتمكن من إيجاد شيء يستيقظ به، أما شخص عنده من يوقظه أو يتمكن من إيجاد شيء يستيقظ به كالساعة وغيرها ولم يفعل فإنه ليس بمعذور. معاشر الإخوة: يقول الله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم59]. فقوله: {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ} قيل: تركها بالكلية. وقيل: أضاعوا المواقيت. فعن عمر بن عبد العزيز أنّه قرأ: "فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا" ثم قال:لم تكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت". وقال الحسن البصري: عطلوا المساجد ولزموا الضيعات. وقوله:" فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا"قال ابن مسعود:واد في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم.(تفسير ابن كثير 3/127). وفي قوله: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}[الماعون4-5] أخرج الطبري عن مصعب بن سعد، قال: قلت لسعد: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}قال: " أهو ما يحدّث به أحدنا نفسه في صلاته؟ قال: لا، ولكن السّهو أن يؤخرها عن وقتها.وسنده حسن.(التفسير الصّحيح/ د.حكمت بشير 4/672).وما أجمل أن نتذاكر هذه الأيام الأحاديث في فضل صلاة الفجر وعظمتها وأثرها، فكلنا وربي بأمس الحاجة لها لتنشط النفس، وتنفض غبار الكسل، فإن البعض منا قد بال الشيطان في أذنيه، وثقلت عيناه، وانتفخت رئتاه ومنخراه، ليست مرة بل مرات وكرات، حتى لقد ظننا بأنفسنا النفاق، وشاهت الوجوه وساءت الأخلاق، فالنبي r يقول عمن جاهد نفسه فقام فصلى: "..فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ))،ويقول أبي بن كعبt
صلى النبيr صلاة الصبح ثم أقبل علينا بوجهه فَقَالَ: "أَشَاهِدٌ فُلانٌ ؟ قَالُوا : لاَ، قَالَ: أَشَاهِدٌ فُلانٌ ؟ قَالُوا: لا،َ (لنفر من المنافقين لم يشهدوا الصلاة) قَالَ : إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ -يَعْنِي الْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ- مِنْ أَثْقَلِ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا"، بل إن من صلى الفجر فهو في ذمة الله يحرسه ويحفظه، كما في صحيح مسلم من حديث جُندَب بن عبد الله t أن النبي قال: ((مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)). ومعنى: " مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ" أي:من يطلبه الله للمؤاخذة بما فرط في حقه والقيام بعهده يدركه الله؛ إذ لا يفوت منه هارب. (حاشية صحيح مسلم ترتيب عبد الباقي 455)، هل تصدقون يا عباد الله! أن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، كما روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ: ((فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الْوَاحِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}. وهل تصدقون أيضاً أن صلاة الفجر ستر من النار، كما في صحيح مسلم عن عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ: "لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ" فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ eقَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ e، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي. بل صلاة الفجر من أهم أسباب دخول الجنة، كما في الصحيحين من حديث أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِeقَالَ: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ"والبَردان: الفجر والعصر. وهل تصدقون أيضاً أن من صلى الفجر
تُضاعف لهم أجورهم، بل يكونون كمن قام الليل كله، كما في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفانt أن النبيr
قال: "مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ". "فبشِّروا الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "(ت غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَرْفُوعٌ هُوَ صَحِيحٌ مُسْنَدٌ وَمَوْقُوفٌ إِلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ e وَلَمْ يُسْنَدْ إِلَى النَّبِيِّ e )،" الْمَشَّاءُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ أُولَئِكَ الْخَوَّاضُونَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ"(جه)،"فمَنْ مَشَى فِي ظُلْمَةِ لَيْلٍ إِلَى صَلَاةٍ آتَاهُ اللَّهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"كما يروى عنهe، فأي خير أضاعه من أضاع الفجر، وأي فضل بعد هذا الفضل، ما ظنكم أيها الإخوة بمن خرج لله في ذلك الوقت، هل يرده؟ هل يمنعه؟ أليس هو أقرب إلى الإجابة والقبول؟ فإنه لم يخرج في تلك اللحظات لشيء أبداً إلا لله، فهل نتذوق هذا؟ وهل نستشعر مثل هذه المعاني؟! وأخيراً: إن المصلين؛ وضوؤهم درجات، وممشاهم إلى المسجد حسنات، ففي الصحيحين:"مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ "، ثم الجائزة الدنيوية الكبرى التي أعلن عنها الحبيبe يوم قال: ((رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))، ثم تأتي المفاجأة التي لا تخطر على بال، أمنية الأمنيات، النعيم الذي ليس بعده نعيم، الوعد الصادق لمن صلوا الفجر، أتدرون ما هو يا عباد الله! إنه وعد بأن يرون ربهم عز وجل، نعم يرونه بأعينهم حقيقة، يرون الملك العظيم، يرون مالك الملك، ففي الصحيحين من حديث جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ e فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ: " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَرَأَ: "وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ". يعني صلاة العصر والفجر. أيها الإخوة والأخوات: لا أحنث وربي إن قلت إننا وبعد كل هذه الأحاديث؟ وبعد كل هذه الفضائل والحوافز؟ وبعد كل هذه الجوائز والتوجيهات، لا أحنث والله إن قلت: إن الكثير منا محرومون عن صلاة الفجر وعظمتها وبركتها، ماذا عسى أن نقول: للنائمين عن صلاة الفجر؟! تائهون، خاسرون، ضائعون، ويكفي أن أهمس في آذانكم فأقول: إذا ضاق الصدر، وصعب الأمر، واشتد المكر، فإلى من تهرعون؟! إذا أظلمت عليكم الأيام، وتغيِّر الأصحاب وكثر اللئام، ونزلت بكم الهموم والالآم، فإلى من تلجأون؟! فرددوا قبل فوات الآوان: آيبون، تائبون، عائدون، "واسْتَعِيْنُوْا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ "، ولا تحرموا أنفسكم تلك الخيرات، وابحثوا عن الوسائل المعينة للفوز بهذه الخيرات، من عقد نية وعزم كل يوم على ألا تفوتك صلاة الفجر مع الجماعة أبداً. ثم عليك بفعل الأسباب المادية من نوم مبكر، ووضع منبه، وقلة أكل، وغير ذلك مما يعين على الاستيقاظ، ثم ثالثاً: ليلتزم كل منا بصحبة صالحة من زوجة وولد وصديق ممن يتعاهد ويتعاون معه على الاستيقاظ لصلاة الفجر. ثم رابعاً: واظب على أذكار قبل النوم، واسأل ربك بصدق أن يعينك على أداء الصلاة جماعة..وغير ذلك من أسباب.أيها المؤمنون: لقد كانت صلاة الفجر عند الصحابة مقياسًا يزنون به الناس، كما في صحيح ابن خزيمة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:"كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن"، هكذا كانت صلاة الفجر ميزانًا للإيمان، وأمارةً من أمارات صدق الاستقامة والالتزام، وإننا لتعجب اليوم ممن أظهر أمارات الاستقامة وله مع الصالحين ذهاب وإياب، ثم هو غالباً مفقود في صلاة الفجر، لا تكاد تراه إلا في فترات متباعدة، فأي استقامة هذه؟ وأي أخوة وصحبة؟تلك التي تتسبب دوماً في ضياع صلاة الفجر؟ معاشر الشباب:لا يصنع الرجال بسهر الليالي؟ ولا بجلسات الاستراحات والبراري؟ بل إن:
صناعة الأبطال علم قد دراه أولو الصلاح
لا يصنع الأبطال إلاّ في مساجدنا الفِسَاح
في روضة القرآن في ظلّ الأحاديث الصّحاح
من خان(حيّ على الصّلاة) يخون( حيّ على الكفاح )
وأخيراً ما أروع القلب الحي، وما أجمل حرارة الإيمان، فهلا سألت أخي نفسك: ما حالك عندما تفوتك صلاة الفجر في جماعة؟ أتشعر بحرقة؟ أتتألم؟ أيتكدر يومك كله؟ أتراك تكثر من التوبة والاستغفار؟ هل تُتبع السيئة الحسنة لتمحها؟ أم أنك تنام وتقوم قرير العين ما كأنك قصرت، خاصة وذلك يتكرر منك مرات وكرات، ولم يتمعر وجهك أو يتأثر قلبك، قال عبد الرحمن رسته: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مهدي،أن أباه قام ليلة،وكان يحيي الليل كله، قال: فلما طلع الفجر رمى بنفسه على الفراش حتى طلعت الشمس،ولم يصل الصبح، فجعل على نفسه أن لا يجعل بينه وبين الأرض شيئا شهرين، فقرح فخذاه" سبحان الله! مجرد غفوة بعد تعب من قيام الليل، ومع ذلك عاهد نفسه أنه لا ينام على فراش حتى تقرحت فخذاه، لكي لا تفوته صلاة الفجر مرة أخرى؟! نشكو إلى الله غفلتنا وضعفنا، وما أحوجنا لتربية أنفسنا، فهيا يا عباد الله نتواصى ونتعاون، هيا أيها الإمام والمؤذن ويا كل جماعة مسجد وجيران هيا تواصوا وتعاونوا وتناصحوا، فلمثل هذا تكون الإخوة والمحبة، وتكون الجيرة والصحبة، فاجمع اللهم قلوبنا على محبتك، وارحم اللهم ضعفنا وحالنا مع الصلاة، اللهم ارحمنا واجعلنا في صلاتنا من الخاشعين، اللهم اجعلها راحة لنا، وقرة لعيوننا، وأنساً لقلوبنا، وبلسماً لهمومنا وجروحنا، اللهم تقبلها منا،واغفر لنا التقصير والغفلة فيها، اللهم حببها لقلوبنا وقلوب أزواجنا وأولادنا،وشبابنا وفتياتنا. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب،فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: عباد الله!: إن ظاهرة الكتابة على الجدران، فعل مشين ومهين ومُدان، لا ينبغي لعاقل فضلاً عن المسلم أن يفعلها، فلنتضامن مع حملة إدارة التربية والتعليم، ولنرفع شعار:"كفى تشويهًا" كما رفعوه لإزالة ما كتب في الجدران، وأتمنى أن يتطوع المئات من الشباب للتعاون مع مثل هذه الحملات، فإن في هذا تربية سلوكية، وتطبيقاً عملياً لحقيقة التربية، بل هو وفاء للوطن وتعبير عن صدق حبه والعناية بالشوارع والمرافق والمباني العامة ونظافتها، وصونها من طيش الطائشين، وتصرفات المراهقين، فشعارنا الدارج على ألسنتنا أن النظافة من الدين، وسمة من سمات المسلمين، فلنترجم هذا الشعار في الواقع العملي، ولنحافظ على جمال مدننا وصفاء شوارعنا وجدراننا، ولنكن قدوة لغيرنا، ولنحافظ على الذوق العام، ونظافة المرافق والجدران، "لنكُونَ شَامَةٌ بين النَّاسِ" ، اللهم وفقنا لطاعتك، وبارك اللهم لنا فيما رزقتنا،ولا تجعل الدنيا أكبر همنا،ولا مبلغ علمنا،ولا إلى النار مصيرنا، اللهم فرج هم المهمومين، وانصر المسلمين المستضعفين، وانتقم لهم من الظالمين، اللهم انصر جندك وكتابك وسنة نبيك، وأعل كلمة الحق ،اللهم أصلح ولاة أمورنا،ووفقهم لما تحبه وترضاه وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة،اللهم آلف بين قلوبهم وقلوب رعيتهم،واجمع كلمتهم على التوحيد يارب العالمين .اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين،وارفع عنهم البلاء برحمتك يا أرحم الراحمين، وصل الله على النبي الأمين، وأهله وأصحابه وخلفائه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين