زلازل العيص في27/5/1430هـ
الحمد لله الذي خلق لنا الأرض وثبتها، {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ}، والحمد لله الذي سخرها لنا وذللها {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه وخلفائه الراشدين وبعد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا"(الأحزاب70-71).عباد الله:كنا نتحدث عن الزلازل في كل مكان، ولا أظن أن أحداً خطر في باله أن نتحدث يوماً عن الزلازل في بلادنا، والعجيب أن زلازل العالم تحل فجأة وفي ثوان ترتج الأرض فتتهدم المباني، وبطرفة عين تحل المصائب والآلام، فيحل الخوف والرعب وتتلاشى الأحلام، ويكون الخراب والدمار، أما زلازل العيص فقد قدر الله أن ترصدها المقاييس وأن تتنبأ بها بتوفيق من الله وقدرته، وأن تستعد لها الجهات الرسمية وتُعد العدة وتتهيأ النفوس، ثم من عجيب لطف الله أن قوتها بدأت شيئاً فشيئاً وبتدرج رحيم، ولا شك أن هذا كله من رحمة الله ولطفه، لو أن الناس يعقلون ويتدبرون، سبحان الله! زلازل وغلاء أسعار، وأزمات مالية، وانفلونزا خنازير، وطواعين وفيروسات، وبراكين وأعاصير وأجواء متقلبة مغبرة ومتربة، وأحداث تهز القلوب، وعبر توقظ الضمائر، ومخاوف تحيط بالجميع، وقوارع تنذر الناس أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا مفر لنا إلا بالرجوع إليه، {وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} أولا تعجبون أيها المؤمنون تتلاحق النذر، وتتوالى الفتن، وتعصف بالناس المحن، وقلة مؤمنة تتذكر وترجع وتستغفر: ]أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ( ما أجمل حياة الإيمان، والاتعاظ والاعتبار، فالقلوب تحيى مع المصائب والمحن، وتلين النفوس لذكر الله وحبه وخوفه؟! أيها المسلمون! يمهل الله ولا يهمل، ويُري الناس من آياته وعجائب قدرته، وهذه الزلازل لا شك أنها نذر وعقوبات، وفيها عبر وعظات، ودلالة على قدرة الله الباهرة، حيث يأذن لهذه الأرض أن تتحرك بضع ثوان أو دقائق فينتج عن ذلك دمار وهلاك وربما رعب وفزع، لعل الناس يراجعون أنفسهم لعلهم يتوبون، لعلهم يستغفرون. لعلهم يتضرعون ويكثرون من العبادة: الخوف والخشية والإنابة والإقلاع عن معاصيه والندم،كما قال بعض السلف لما زلزلت الأرض:"إن ربكم يستعتبكم"، ويكثر هذا في آخر الزمان كما في الحديث عند أحمد والبخاري عن أبي هريرةtقال:قال رسول اللهe:((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ )). وروى الترمذي عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله e "إِذَا اتُّخِذَ الْفَيْءُ دُوَلاً، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَتُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ، وَأَدْنَى صَدِيقَهُ وَأَقْصَى أَبَاهُ، وَظَهَرَتِ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ، وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ، وَزَلْزَلَةً وَخَسْفًا وَمَسْخًا وَقَذْفًا وَآيَاتٍ تَتَابَعُ كَنِظَامٍ بَالٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ ))قَالَ الترمذي :وَفِي الْبَاب عَنْ عَلِيٍّ وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. إخوة الإيمان! إن ما أصاب أرضنا هز القلوب أكثر من هزه للأرض، إنه هزة للقلوب الغافلة، وصيحة قوية مزلزلة، إن في هذا لذكرى للقلب المؤمن، ذكرى لمن يتعظ ويعتبر، وفي الأرض المتحركة قلوب لا تتحرك ولا تتأثر، قلوب قست وأظلمت، قلوب طغت عليها الشهوات، فلم تعد تتعظ، أو تتفكر،
فليـت قلـوب القسـاة تفيـق عليـه وتفتـح أقفـالهـا
وليـت عقـول عبيـد القيـود تثـور وتكسـر أغلالهـا
لقد أفزعتنا شـروخ المبانـي فقمنـا نعالـج أخطالهـا
أليست شروخ الضمائر أنكـى إذا استمرأ الناس إهمالهـا
إن هذا الحدث فرصة لتوجيه الناس إلى ربهم، وتبصيرهم بقدرة القادر وقهره وشديد بأسه وأليم عقابه وغيرته على محارمه وحدوده؟ فهل قام المنابر الشرعية والإعلامية بهذا؟! نقرأ ونسمع الكثير من التحليلات العلمية في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة ومن المتخصصين في الأرض وعلومها، فيعلل تارة بأنها منطقة زلازل، وبأن الزلازل كوارث طبيعة، وكلنا يعلم أن الحقائق العلمية الحديثة لا تخفى على علماء الأرض وما هي أسباب حدوث الزلازل، والفيضانات، لكن تحرير أسبابها العلمية لا يخرجها أبداً من كونها جنداً من جند الله، فلماذا تنحية النظرة الشرعية والسنن الإلهية في مثل هذه الأحداث؟! {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ}، فبأمر من تحدث الزلازل؟ وبأمر من تتحرك الأمواج والبحار؟! " { قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}، ويبقى العالم بكل ما أوتي من قوة عاجزًا عن تلافيها أو دفع أضرارها، {وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ}، إن المؤمن الصادق يعلم أن في الكون أسباباً وأن لأحداثه عللاً، ولكنه يؤمن بأن الله خالق هذه الأسباب وأنه موجد هذه العلل، فالله هو الذي يزلزل الأرض، والله هو الذي يجري الأنهار، والله هو الذي يرسل الرياح،كل شيء بأمره،"إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}، فيا عجباً لنا ولقلوبنا! عندما تُفسر تلك الأحداث بأنها حوادث طبيعية، وبسبب تقلص القشرة الأرضية، وبأن الزلازل: عبارة عن رياح وأبخرة تحت الأرض، تبحث عن مخرج لها فإن وجدته خرجت على شكل بركان، وإن لم تجده تهتز الأرض، فيكون الزلزال، ثم كفى؟! أيعقل أن نسمع بتحرك الأرض وتهدم المباني وربما هلاك الأنفس ثم لا نتأثر ولا نعتبر؟ أيعقل أن يبقى الناس على بعدهم وغفلتهم وقسوة قلوبهم؟! أيعقل أن ترتجف المحيطات والبحار ولا ترتجف القلوب التي في الصدور؟ إن كان هذا فهو وربي أشد من تزلزل الأرض لأن موت القلوب أشد من موت الأبدان والعمران؟! عجيب حال الناس! الزلزال يضرب في غرب البلاد، والناس في شرقها وجنوبها ووسطها وشمالها لا يزالون في غمرة ساهون. {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}(الزمر67)، سبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر، متى يشعر الإنسان بجلال الله وعظمتِه وجبروتِه، إن لم يكن في مثل هذا الحدث؟! متي يستيقظ القلب إن لم يكن في مثل هذه المحنِ والمصائِبِ؟! متى يعرِف الناسُ عزَّ الرّبوبيّة وقهرَها، وذلَّ العبودية وكسرَها، إن لم يكن في هذه الفتن؟! فهيا نرجع الناس للأسباب الحقيقية، فإنه لما وقع الزلزال في خلافة عمر بن عبد العزيز: كتب إلى عماله في البلدان وأمرهم أن يأمروا المسلمين بالتوبة إلى الله والضراعة إليه والاستغفار من ذنوبهم. إنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة، وصنائع المعروف تطفئ غضب الرب، والواجب على المؤمنين أن يكونوا على وجلٍ من ذنوبهم كما قال الحسن البصري رحمه الله: إن المؤمن لا يصبح إلا خائفاً ولا يصلحه إلا ذاك. فتدبروا عباد الله فآيات الله القرآنية تهز النفوس:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} واعتبروا عباد الله فآيات الله الكونية، تقرع القلوب، فالزلازل آية من آيات الله يخوف الله بها عباده، إنها رسالة لمن اغترَّ بعلمه وقوته بأنّه ضعيفٌ أمام قدرةِ الله، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا،{وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ}(العنكبوت22).إنها رسالة توضح للإنسانِ قيمةَ هذه الدنيا وقدرَها ومِقدارها ومآلها، فهي معرَّضَة للزوال بكن فيكون، وحُطامها كله لا يساوي شيئًا، "وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ" (الحديد20)،وقال:"قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ"(النساء77).إنها رسالة توقِظنا من رَقدتنا لنتذكَّرَ الآخرةَ، فلقد خدَّرتَنا الدنيا بمفاتِنها، وشغَلتنا بهجتُها، حتى كأنّنا مخلَّدون على ظهرها، غير مرتَحِلين إلى بطنِها، وكأنَّ الموتَ والآخرة قِصص تُتلَى وحديث يُروى ثم ينسَى. إن الزلازل رسالة وإنذارٌ لنا جميعاً بأنّ الحياةَ مؤقَّتة، وأنّ الأجلَ قريب مهما طالَ الأمل، وأنّ العبدَ عُرضة في كلِّ لحظةٍ للزوال فجأة. هكذا ليكن الموقف أيها المؤمنون:فالمؤمن مرهف الحس لمثل هذه الأحداث،وهذا هو هدي النبيr فكان إذا هبت الريح الشديدة عرف ذلك في وجهه، وحين ينعقد الغمام في السماء ويكون السحاب ركاماً بعضه فوق بعض ترى النبي r يُقبل ويدبر ويدخل البيت ويخرج والهم يعلوه، فتقول عائشة: مالك يا رسول الله؟ فيقولr: ((يَا عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا)) فقال الله: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} حتى إذا نزل المطر سُرِّي عنهr. بمثل هذه الهاجس، يتعامل المؤمن مع الأحداث تعاملاً يثمر حياة القلوب ورقتها، روي الإمام أحمد عن صفية أم المؤمنين t، قالت: زلزلت المدينة على عهد عمر فقال:يا أيها الناس ما هذا؟!ما أسرع ما أحدثتم-يعني من العصيان والمخالفة- لئن عادت لا تجدونني فيها. لقد كان عمرt يعرف أن وجود بعض المعاصي داخل مجتمع المدينة رغم طهارته سبب لوقوع البلاء، فهلا سألنا أنفسنا اليوم وبصدق:أي شيء أهاج الأرض فأخرجها عن وقارها وسكونها؟ أي شيء أغضبها حتى ماجت ومادت؟ أعافت طول السكون و الهدوء؟
أم الأرض تحتج فـي ثـورة فمـا عهدت هكذا آلهـا
غلا مرجل الغيظ في صدرها فأرعشها بعض ما هالها
هي الأم غضبـى لفعل بنيها وقـد تنذر الأم أطفالها!
روى ابن أبي الدنيا عن أنس بن بمالك أنه دخل على عائشة هو ورجل آخر فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنا وشربوا الخمور وضربوا بالمعازف غار الله عز وجل في سمائه فقال للأرض: تزلزلي بهم فإن تابوا ونزعوا وإلا هدميها عليهم. قال: يا أم المؤمنين أعذاباً لهم؟ قالت:بل موعظة ورحمة للمؤمنين، ونكالاً وعذاباً وسخطاً على الكافرين.(الجواب الكافي73)،وقال كعب:إنما تزلزل الأرض إذا عمل فيها بالمعاصي فترعد فرقاً من الرب جل جلاله أن يطلع عليها. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: إن هذا الرجف شيء يعاتب الله عز وجل به العباد. أيها الناس: إن عصيان الإنسان سبب لكل ما يحل به من بلاء وكرب، وكل النصوص تؤكد أن المعاصي تزيل النعم وتحل النقم،"وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ" "ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ"(الأنفال 53). بل لقد روي أن البحار تتزلزل غضباً لمحارم الله، فقد جاء في مسند الإمام أحمد فيما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبيr قال:" لَيْسَ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ فِيهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى الْأَرْضِ يَسْتَأْذِنُ اللَّهَ فِي أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ - أي على العصاة- فَيَكُفُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)) فلا إله إلا الله، البحر يتمعر، ويتمنى إغراق العصاة، ويستطيع لكنه مأمور كل شيء بقضاء وقدر والليالي عبر أي عبر
فهل يتعلم الناس من هذا الزلزال التوبة من العصيان، والتطهر من الذنوب والرجوع إلى الرؤوف الرحيم؟ فإن الله يخبرنا عن أناس فيقول:"وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ" ويقول:"فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ". أيها المسلمون: لقد فشا في كثير من المجتمعات الإسلامية، بدع وشرك صريح، من طواف حول القبور وعكوف حولها وسؤال الأموات، ومحاربة للسنة والإسلام سراً وجهراً، والحكم بغير شرع الله، والظلم والجور، وانتشار الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وكثرة الفواحش كالزنا وتبرج النساء، وشربت الخمور والمسكرات، وأدمنت المخدرات، كثر أكل الحرام، وتنوعت الحيل، شهادات باطلة، وأيمان فاجرة، وخصومات ظالمة، ارتفعت أصوات المعازف والمزامير، وفشت رذائل الأخلاق، حورب الدين وأهله، وسخر من الدعاة والمصلحين، وأصبح قدوة الشباب الفنّان والمطرب واللاعب، وحين ابتعد الناس عن الطريق المستقيم كثر الكفر والفسوق والعصيان، وقلّ الشكر وإرجاع الحقوق، كذبٌ وتزوير وحسد، وترك للنهي عن المنكرات، تبرج وسفور، وزنا ولواط، غيبة ونميمة، وجدال وخصومة،"وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى"،(النحل61)، ومن فضل الله ورحمته أنه لا يؤاخذ الناس بكل ذنب، ولكن إذا نسوا تذكيرَ الله لهم خوّفهم بالآيات التي تهتزّ لها المشاعر والأبدان، كالزلازل والفيضانات، والفتن والتفجيرات، وما ذاك إلا ليخوّف الله به الإنسان إذا تمادى في الطغيان، ولعذاب الآخرة أكبر، ولأمر الله أعظم، والأمة حين تغفل عن سنن الله تغرق في شهواتها وتضل طريقها حتى تقع في مصارع السوء، والعذاب يعم الصالح والفاسد كما ورد في الحديث:"أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:"نعم، إذا كثر الخبث".عباد الله: وتحت وطأة هذه المعاصي والفتن والذنوب؛ اتقوا غضب الجبار بالتواصي بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبكثرة الاعتذار والاستغفار، وكثرة الأعمال الصالحة والصدقات وإطعام الطعام، ومواساة المنكوب والكسير، وأنواع البر والإحسان، فإن في الناس محتاجين ومنكوبين، وفي مجتمعنا صور وأخبار، وفي البيوت أسرار، وأرامل وأطفال صغار، ومسنين وعجزة كبار، عضهم البؤس بنابه، وأوجعهم الفقر بكلابه، لا موارد لهم، يتحدثون فتظنهم من الأغنياء، وهم أهل تعفف وحياء، والله أعلم بما يقاسون، من الهموم والديون، ومن ألم الحاجة والفقر، والشدة والعسر، بمثل هؤلاء يُرحم الناس، فتواصوا بالحق واستغفروا وتصدقوا، فصنائع المعروف تقي مصارع السوء، و لعل الله أن يرحمنا ويدفع عن الأذى والفتن، فإنما ترحمون وتنصرون بضعفائكم،{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الحج:7].أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين،أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وطهروا قلوبكم فإن الله يطلع على القلوب والضمائر، وأكثروا من الأعمال الصالحة فاليوم عمَل، وغداً أمل، فاعمل ولا تمل، واستبقوا الخيرات، وأحسنوا، ولنملأ قلوبنا بحب الله، ولنتزود من تقوى الله خير زاد على الدوام، خاصة في الفتن والأزمات، جعلني الله وإياكم من المتقين الأبرار، اللابسين لباس التقوى في الليل والنهار، إنه سميع مجيب عزيز غفار، اللهم كن عوناً للمحتاجين والمساكين، وأعن اللهم إخواننا المنكوبين، أمن خوفهم واشف مريضهم، اللهم اكشف الغمة، وانصر الدين وأتمّه، وأصلح اللهم القلوب، واغفر الذنوب، واستر العيوب، واقبل توبة من يتوب، اللهم ادرأ عنا الكوارث، وارحمنا من الحوادث، اللهم أصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لما تحبه وترضاه، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، اللهم اشف مرضانا وجميع مرضى المسلمين، واحفظنا بحفظك، أنت خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، وصل اللهم وسلم على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.والحمد لله رب العالمين .